الصفحة 4 من 22

وقضية اللغة أيضًا ليست بهيِّنة؛ فكان المتنبي شاعرًا للعربية ومهر بها مهارة فائقة، وكذا من خصائص العربية البارزة أنها تحمل بين جنبيها ذخرًا لا ينتهي للمفردات والتعابير، فستجد لكل ما أوجده البشر من المعاني لفظًا مستقلاًّ، وهي للشاعر نعمة ربانية لا تعدلها نعمة أخرى.

ومن الخصوصيات الأخرى المساعدة للشعر، التي تحملها العربية هي التنوينُ الذي يلعب دورًا بارزًا في صياغة الكلام؛ حيث يصبح آخر حرف الكلمة كالنون، ويختلط بأول حرف الكلمة اللاحقة، بحيث يخلق إيقاعًا وجرسًا جميلًا، بينما اللغة الأوردية لا تتمتع بمثل تلك السهولة.

وكذا نالت القصيدة صدارة ومركزية في كافة عصور الشعر العربي، فيعبِّر الشاعر عن خوالج قلبه مدحًا وهجوًا ورثاءً في صورة القصيد، فلا يعتني هذا القالب الشعري بالرديف فقط، ولا يهتمُّ بالقوافي كلفظ مستقل، بينما الشعر الأوردي رصيده هو"الغزلية"التي يعرف بها الشعر الأوردي، وهي أصعب أصناف الشعر صياغة؛ ففي جانب يراعي فيها كلاًّ من الرديف والقافية، وفي جانب آخر يقدِّم في كلِّ بيت منها مفهومًا جديدًا، وفي جانب ثالث - وهو أهمُّ مما سلف - لا بد لكلِّ بيت من أنْ يكون شعرًا، فلا يكون كلامًا موزونًا يحتفظ فقط بالقوافي ويراعيها.

وإذا كانت القصيدة تشمل أربعة أجزاء، يعتنى فيها بشيء واحد مدحًا كان أو هجوًا، فإن وقَع فيه شيء من الخلل فهو عيب للقصيدة، فيجب على قارض القصيدة أنْ يركِّز على شيء واحد، وهكذا، فهو يتوفَّر له مجالات عديدة للغة والبيان، بينما الغزلية تحرم الشاعر الأورديَّ هذه السهولة.

وكذا تتوفَّر لشاعر العربية سهولة أخرى؛ وهي أنه مسموح له بأنواعٍ من التصريف في رديف الشعر؛ فالحرف الأخير من الكلمة يَقبل الضمة أو الفتحة أو الكسرة بشيءٍ من الإمالة، فيمكن مجيء أي كلمة على قواعد اللغة؛ شريطة ألاَّ تتغير الحركة؛ فمثلًا في صورة الفتحة يمكن استخدام"تخبرينا"و"بنينا"و"ساجدينا"، والحال أنَّ الأول صيغة الخطاب للمؤنث، والثاني صيغة الجمع للمتكلم، والثالث صيغة جمع المذكر السالم في صورة حال، وهكذا يكون مع الكسرة والضمة، فإن تغيَّرت حركة الحرف الأخير فهو عيب، ويسمَّى"الإقواء"، وعن طريق هذه التسهيلات يمكن للشاعر أن يعبِّر عن خواطره بأساليبَ عديدة متنوعة، بينما اللغة الأوردية تحرم الشاعر مثل هذه المباحات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت