فهرس الكتاب
ثم لاذ بالفرار الى البيت، لا يعى ولا يشعر بشئ مما حوله، لم تكن أمه قد عادت بعد فلم يجد شيئا يسد به غائلة الجوع سوى بضع لقيمات تبقت من وجبة الصباح جمعها وراح يقضمها بنهم لم يشعر بمثله أبدا ويقضم معها أفكارة .. وهو جالس امام نافذة غرفته المطلة على البحر - تلك التى كان يشغلها والده قبل أن يولى الأدبار الى الحياة الاخرى - يحدق في زبد الأمواج ويتسمع هديرها .. دون ان يرى او يسمع شيئا .. فقد كان تلاطم أمواج الأفكار في رأسه أشد، وكان هديرها الصامت في أذنيه أكثر وقعا .. ولا يدرى كم من الوقت مر عليه وهو على تلك الحال، لكن الذى يدريه بوعى تام أنه لم يهتد الى معنى واحد يعلل له ولو بصوت خافت أحداث يومه وسط هذا الطوفان الغامر من الغموض الذى أغرقه حتى تصبب العرق من جبينه وكاد أن يختنق .. ! وكأنه كان يفكر في لا شئ ايضا، حينئذ قرر بصورة قاطعة الا يفكر في تلك الاحداث ثانية وان يهمل بحث ذلك الامر تماما .. كيلا ينشغل بشئ آخر غير الدراسة، التى كان يرى فيها كل آماله .. بل وآمال أمه إن لم يكن يغالى قليلا في تقدير شأنه وشأنها، ثم أصبح يرى بعد الذى لاقاه في هذا اليوم أنها لا تمثل آماله وآمالها فحسب وإنما وجودهما ايضا.
ولذا ما أسرع أن استدار الى حيث كتبه وكراساته .. وطفق يستذكر الدروس التى فاته حضورها هذا اليوم بالمدرسة .. واستغرق فيها تماما .. نسى كل شئ .. الى أن إنتبه على صوت الباب يفتح في الطابق السفلى وكان قرص الشمس الذهبى الدامى ينشر ألوان الشفق في السحب وينثر على الامواج مجموعة متباينة من ألوان القرمز قبل ان يغيب في البحر، فأدرك أنها أمه .. وهب يستقبلها بتلك الفرحة التى تعود أن يلقاها بها كل مساء على رأس السلم قائلا بعد ان ضاق بآلام الجوع صبرا"أسرعى .. أسرعى يا أمى"! .. فتقول له وهى تصعد اليه بكل جوارحها"يا بنى الحبيب .. ألا تصبر دقيقة أخرى!"غير أنه الفى نفسه يقول لها تلك المرة على غير ما تعود"أسرعى يا أمى لتخبئينى في صدرك .. !"وصمت ثم اضاف لنفسه وهو يتذكر قول تلك المرأة في الإصلاحية .."نوع من الحنان لم آلفه .. هه .. !"فقرقرت الام بضعف يشى بإرهاقها الشديد وهى تكاد ان تجذبه اليها بنظرات الحب المغناطيسية في عينيها .. اثناء صعودها درجات السلم ..