فهرس الكتاب
ثم عاود الجرى وهو يردد لنفسه"مازالت هناك بقية من أمل!"ووصل المنعطف ثم انحرف مغيرا مسار جزئيات جسدة في حدة فجائية كاد ان يتعثر لها، وقطع الأمتار الباقية في تلهف وتوتر شديدين ووقف عند"رأس الطريق"يحملق وهو يلهث باحثا وكله أعين ترى عن الشاب .. لا .. إنه لم يقع له على أثر .. وكأن الارض قد انشقت وابتلعته، وهز رأسه بمراره ومضى يضغط قبضتى يديه متجلدا وهو يستشرف بعينيه لجة البحر الزرقاء المترامية الأطراف .. على مدى البصر ويتأمل حواف أذرع الموج وهى تتوالى ويسابق بعضها بعضا لبصق الزبد وصفع وجه الشاطئ الخانع في مذلة، مستروحا في نهم الانسام الندية التى تدافعت في رئتيه لتهدئ سورتها .. ورفت حول وجهه لتلطف من حرارته وتجفف عرقة في عطف ليس مثله إلا عطف أمه .. ! .. فانسرق عن نفسه وشرد بعيدا يفكر في المجهول الذى يوازى التفكير فيه التفكير في اللاشئ .. شرد طويلا لينتبه على صوت فخيم يصيح به:
-ايه .. ! .. انت .. ماذا تفعل هنا ثانية .. ؟
ونظر الى الجهة التى هب منها الصوت مفزعا إياه فرأى ذلك المهندس"ألون"يقف الى جوار سيارته في زهو وخيلاء لا يماثلها إلا ما تخيله من إستكانة وأنوثة تلك السيارة الرائعة ولا يدرى لم شعر ببعض الراحة لرؤياه تلك اللحظة .. كان يشعر في صدره بغضب شديد مكبوت فقال لنفسه"إن بينى وبينه حسابا لم أصفه بعد"ثم هرع اليه وبادرة مصنعا البشاشة قائلا:
-ها نحن نلتقى ثانية في هذا المكان يا سيد الون .. وانى لسعيد برؤياك .. ! ..
فافتعل الرجل - بدورة - إبتسامة صافية وقال وهو يعطيه يده ليصافحة:
-انى ابادلك نفس الشعور يا بنى ..
تصافحا .. واضاف الرجل بعد سكتة قصيرة:
-وان كنت قد ظننت انك قد غضبت منى بالامس لسبب لا اعلمه حتى الآن ..
"لا يعلمه .. هه .. ! .."همهم سامح متهكيا في أعماقه ثم قال في ود مفتعل: