فهرس الكتاب
وإذا كانت حوادث الدهر قد أفقدته هؤلاء الأحباب الذين يرثيهم، فمما يخفف ما به من الجزع عليهم أن الدهر نفسه سوف يصيبه الموت وهنا نلمح التناص الدلالي مع الحديث النبوي الصحيح"إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار جِيء بالموت حتى يُجعلَ بين الجنة والنار ثم يُذْبح، ثم ينادي منادٍ: يا أهل الجنة لا موت، يا أهل النار لا موت" [1] .
ولا يقف أمر التناص مع الحديث النبوي الشريف عند الدلالة وحدها، وإنما نراه يستدعي الألفاظ والمصطلحات الخاصة بعلم الحديث من ذلك قوله في داليته التي يمدح فيها ابن أبي دواد [خفيف] [2] :
مِنْ أَحَادِيثَ حِينَ دَوَّخْتَهَا بِالرَّأْ ... يِ كَانَتْ ضَعِيفَةَ الإِسْنَاد
حيث يصف الممدوح بالدقة والتثبت، والتريث ورد الأمور إلى أصحابها، وقوله ممتدحًا مساعي المأمون الكريمة [كامل] [3] :
سَبَقَتْ خُطَا الأَيَّامِ عُمْرِيَّاتِهَا ... وَمَضَتْ فَصَارَتْ مُسْنَدًا لِلْمُسْنَد
فالمسند والإسناد من مصطلحات علم الحديث، والمراد هنا أن الدهر يتكفل بإسناد هذه المساعي الحميدة إلى المأمون صاحبها، وفي الاستدعاء ما يدل على تحري نسبة الفضل إلى أهله، فضلًا عن الدلالة على خلود تلك المساعي؛ لأن الدهر قد خلدها بنسبتها إلى صاحبها الخليفة العباسي المأمون.
كما يستدعي أبو تمام عددًا من الدوال اللغوية المتداولة في كتب السنة النبوية، وعلى ألسنة المحدِّثين منها دالة السُّنة في قوله من مدح أبي القاسم بن عيسى العجلي [بسيط] [4] :
(1) 192 - فتح الباري شرح صحيح البخاري 13/ 234.
(2) - ديوانه بشرح التبريزي 1/ 362.
(3) - السابق 2/ 5 ..
(4) - ديوانه بشرح الصولي 2/ 53 وفي شرح التبرزي 2/ 365 سُبّة.