الصفحة 9 من 56

ويمكن حمل قوله _صلى الله عليه وسلم_ (خالفوا) في الأحاديث السابقة على الأمر بمخالفتهم عموما، كما في"شرح صحيح البخاري" (9/ 160) ؛ لابن بطال.

وأما مارواه البخاري (3558) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يَسْدِلُ شَعَرَهُ، وَكَانَ المُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُءُوسَهُمْ، فَكَانَ أَهْلُ الكِتَابِ يَسْدِلُونَ رُءُوسَهُمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ، ثُمَّ فَرَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ» فمحمول على ما لابد فيه من موافقتهم، أما ما أمكن فيه مخالفة جميع أهل الملل المخالفة للإسلام فالمطلوب مخالفتهم فيه كما ثبت في أحاديث كثيرة الأمر بمخالفة أهل الكتاب والنهي عن اتباع طريقتهم.

وأجيب أيضا بأنه: يحتمل أن يكون في أول الإسلام في وقت قوى فيه طمع النبى عليه السلام برجوع أهل الكتاب وإنابتهم إلى الإسلام، وأحب موافقتهم على وجه التألف لهم والتأنيس. انظر:"شرح صحيح البخاري" (9/ 160) ؛ لابن بطال، وكذا النووي في"شرح مسلم" (15/ 90) .

قال ابن حجر في"فتح الباري" (10/ 362، 363) :"وَالَّذِي جَزَمَ بِهِ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّهُ كَانَ يُوَافِقُهُمْ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ مُحْتَمَلٌ، وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا _وَهُوَ أَقْرَبُ_ أَنَّ الْحَالَةَ الَّتِي تَدُورُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: إِذَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَى النَّبِيِّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ شَيْءٌ كَانَ يَعْمَلُ فِيهِ بِمُوَافَقَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ شَرْعٍ بِخِلَافِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ فَإِنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَرِيعَةٍ فَلَمَّا أَسْلَمَ الْمُشْرِكُونَ انْحَصَرَتِ الْمُخَالَفَةُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ فَأَمَرَ بِمُخَالَفَتِهِمْ وَقَدْ جَمَعْتُ الْمَسَائِلَ الَّتِي وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ فِيهَا بِمُخَالَفَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَزَادَتْ عَلَى الثَّلَاثِينَ حُكْمًا وَقَدْ أَوْدَعْتُهَا كِتَابِي الَّذِي سَمَّيْتُهُ (الْقَوْلَ الثَّبْتَ فِي الصَّوْم يَوْم السبت) ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت