الصفحة 32 من 44

28 -أوجَبَ ابن رشد على الجمهور - ويدخُل فيهم علماء الكلام - أنْ يعتَرِفوا بصفاتٍ إلهيَّة، وأمَّا الخوض فيما إذا كانت زائدة على الذات أو غير زائدة فشيء لا تطيقه عقولهم ولا تدركه أفهامهم، ويلوم المعتزِلة لومًا شديدًا على التصريح بمذهبهم في الصفات للجمهور؛ لأنَّ القول بأنَّ الصفات والذات شيء واحد تعليمٌ بعيد عن أفهامهم.

وكذلك أوجب ابن رشد على العامَّة أنْ يأخُذوا النصوص الشرعيَّة التي وردت مثلًا بإثبات الاستواء واليد والوجه على ظاهرها وعدم تأويلها؛ بل إنَّ تأويلها يُعَدُّ في حقِّهم بدعة.

29 -تجلَّى من خِلال البحث أنَّ مذهب ابن رشد في الصفات يُخالِف مذهبَ ابن تيميَّة مخالفةً صريحة؛ لأنَّ مذهب ابن تيميَّة هو إثبات الصفات التي وصف بها نفسه، ووصفه بها رسوله من غير تعطيل ولا تأويل، ولا تحريف ولا تكييف، ولا تشبيه ولا تمثيل، ولا تفويض، وقد حرَّر القول في معنى زيادة الصفات على الذات مُبيِّنًا أنَّ الصفات زائدة على الذات المجرَّدة التي يتخيَّلها الذهن؛ بمعنى: أنَّ العقل يفهم من الذات معنى غير المفهوم من العلم وسائر الصفات، وأنَّ المفهوم من صفة العلم غير المفهوم من صفة القدرة، وأنَّ المفهوم من القدرة يُغايِر المفهوم من سائر الصفات ... وهَلُمَّ جرًّا.

وكذلك وضَّح ابن تيميَّة خطَأ المعتزلة ومَن وافقَهُم على القول بعينيَّة الصفات، وردَّ على شُبَهِهم، مبينًا أنَّ إثبات الصفات زائدة على الذات لا يلزم منه تعدُّد القُدَماء، ولا مشابهة النصارى في كُفرهم وتثليثهم، ولا يلزم منه التركيب ولا نحوه من الشُّبَهِ التي توهَّمَها أهل الأهواء.

وأنَّ تلك الشُّبَه التي توهَّمَها المعتزلة شُبَهٌ ذهنيَّة لا وجودَ لها في الواقع، وليس في الخارج ذات مجرَّدة عن صفاتها، وذات الله - سبحانه - لا تُوجَد إلا بصفاتها، وإذا قلنا: الله، فإنَّ ذلك يَشمَل الذات والصفات، فالصفات ليست غيرَ الذات بهذا الاعتبار.

30 -أثبَتَ ابن رشد صفةَ العلوِّ لله ظاهرًا وباطنًا، وقرَّر بالأدلَّة النقليَّة والعقليَّة أنَّ الله فوق عباده بائنًا منهم، وأنَّه - سبحانه - هو العلي العظيم، ثم سَفَّهَ أحلام المتكلِّمين الذين زعَمُوا أنَّ دلائل العقل وبَراهينه تدعو إلى نفي الجهة، وإنكار علوِّه على خلقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت