فهرس الكتاب
وإثبات ابن رشد للعُلوِّ وتقرير ذلك بالأدلَّة النقليَّة والعقليَّة يُعَدُّ خرقًا لذلك الإجماع المزعوم الذي ادَّعاه الرازي وغيره من نُفاة العلوِّ؛ حيث زعَم أنَّ المسلمين أجمعوا على نفْي العلوِّ إلا فئةً قليلة من الحنابلة.
وقد هدَم ابن رشد هذه الدَّعوى من أساسها، وأثبَتَ بالبرهان الفلسفي والدليل العقلي علوَّ الله على خَلقِه، وأنَّ أدلَّة النقل والعقل قد تَضافَرتْ على إثباته، وليس هناك ما يدعو إلى تأويله كما زعَم المعتزلة والأشعريَّة.
31 -تجلَّى من خِلال البحث اتِّفاق ابن رشد وابن تيميَّة على إثبات علوِّ الله على خلقه، كما دلَّ على ذلك الكتاب والسنَّة، وإجماع الصحابة والتابعين وأئمَّة الدين، وأدلَّة العقل الصحيحة.
32 -تجلَّى من خِلال عَرض مذهب ابن رشد في التنزيه أنَّه قد حصَر قَضايا التنزيه في عدَّة أمور:
أولًا: نفي المماثلة بين الخالق والمخلوق، وهذا لا غُبار عليه، ولكنَّه لم يستوفِ الأمور التي نزَّه الله نفسَه عنها، فقد قرَّر القُرآن الكريم قضيَّة التنزيه تقريرًا دقيقًا فنزَّه الله نفسَه عن الصاحبة والولد واتِّخاذ الشركاء والأنداد، ونزَّه نفسه عمَّا اتَّهمه به المشركون في زعمهم أنَّ الملائكة بنات الله، ونزَّه نفسه عن السِّنَةِ والغَفلة، والتَّعب والعجز والفقر.
ثانيًا: بحث مَسألة الجسميَّة، وهل يجوزُ إثباتها لله، أم يجب نفيها عنه، وانتهى في بحثه إلى إطلاق القول بأنَّ الله ليس بجسمٍ، ولكنَّه ينهى عن التصريح بذلك للجمهور.
وقد تعقَّبَه ابن تيميَّة، وبيَّن أنَّ هذا اللفظ ونحوَه لفظ مُجمَل مُبتدَع لم يرد الكتاب والسُّنَّة بإثباته ولا نفيه، فالواجب في مِثل هذه الألفاظ المشترَكة والاصطلاحات المُحدَثة أنْ يُحدِّد المتكلِّم مُراده من إطْلاق ذلك اللفظ، وأنْ يستَفصِل السامع عن المعنى الذي يَقصِده المتكلم من إطلاق هذا اللفظ المجمَل:
-فإنْ أُرِيدَ به معنى صحيحًا مُوافِقًا لما جاء به الكتاب والسنة، قُبِلَ.
-وإنْ أريد به معنى مخالفًا لما جاء الكتاب والسُّنَّة، لم يُقبَل.
وذلك لأنَّ أهل الأهواء والبِدَع أحدَثُوا في أصول الدين ألفاظًا مجملة واصطلاحات مُحدَثة، وقد يريدون بنفيها نفي ما دلَّ عليه الكتاب والسُّنَّة، فإذا قال الجهميَّة: (إنَّ الله ليس بجسم) أوهَمُوا السامِعَ أنهم يريدون بذلك أنَّ الله ليس مُركَّبًا، ولا مؤلفًا من الأبعاض ولا يتَّصف بصفات