فهرس الكتاب
ولكنَّ ابن رشد يُوجِب كتمان هذا الرأي عن الجمهور، وينهى عن التصريح لهم به، ويَلُوم المعتزلة على تصريحهم بهذا المذهب لجميع الناس.
ورغم أنَّ هذا هو مذهَبُ ابن رشد في الرؤية؛ إلا أنَّه نقَد الأشعريَّة نقدًا شديدًا في هذه المسألة، مبينًا أنَّ المسالك التي استدلُّوا بها على إثبات الرؤية مسالك ضعيفة تُثِير الشُّبَه وتفضي إلى الشكوك.
ويرى أنَّ الأشعريَّة تناقضوا تناقضًا بيِّنًا عندما أنكروا العلو وحاوَلوا إثبات الرؤية، فقالوا: يُرَى لا في جهةٍ، وهذا تناقُضٌ ظاهر؛ إذ إنَّ العقل لا يُدرِك مرئيًّا إلا في جهةٍ من الرائي، وقد وافَقَه على ذلك النقدِ ابنُ تيميَّة مبينًا أنَّ تلك الرؤية التي يدَّعِيها الأشعريَّة لا حقيقةَ لها، ومَن قال يُرَى لا في جهة فقد أضحَكَ الناسَ على عقله!
36 -يتَّفِق ابن تيميَّة وابن رشد على مسألة السببيَّة؛ فقد ذهب ابن رشد إلى أنَّ الله - سبحانه - قد أودَعَ في هذا الكون أسبابًا وقُوًى وطبائع تُؤثِّر في مسبباتها، وتنتج عن تلك المؤثرات آثارها بإذن الله وحفظه لها، فهو الذي خلق الأسباب وجعَلَها فاعلةً ومُؤثِّرة بإذنه وحِفظه، فقد أودع الله في النار طبيعة الإحراق؛ فالنار إذا لاقت جسمًا من الأجسام، وتوفَّرت الأسباب وارتفعت الموانع فإنها تُؤثِّر فيما تُلاقِيه وتحرقه.
وكأنَّ ابن رشد أحسَّ - وهو يبحث مسألة السببية - بأنَّه قد لمس مسألةً دقيقة وهي مسالة المعجزات ومعجزة نبي الله إبراهيم خاصَّة؛ حيث إنَّه - عليه السلام - أُلقِي في النار فلم تُؤثِّر في بدنه، بل كانت عليه بردًا وسلامًا، ولم يُؤثِّر ذلك السببُ في المسبَّب.
وهنا بيَّن ابن رشد أنَّ معجزة إبراهيم وسائر معجزات الأنبياء - عليهم السلام - أمورٌ إلهيَّة تَفُوق مَقدِرة العقول، وتعجز الأفهام عن إدْراكها، فيجبُ التسليمُ والإيمان بها؛ لأنها مبادئ الشرائع وأنَّ إنكارها أو التشكيك فيها كفرٌ، ويجبُ قتْل مَن أنكَرَها؛ ولهذا وجب قتل الزنادقة.
وقد وافَقَه الإمام ابن تيميَّة على مذهبه في السببيَّة والمعجزات، ثم بيَّن أنَّ العلم بصِدق الرسول في دعوى الرسالة يُعلَم بطرقٍ كثيرة تُعَدُّ المعجزات طريقًا واحدًا منها، وليست المعجزة هي الطريق الوحيد لإثبات نبوَّة النبي وتصديقه.