فرعون وقومه، (وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ) أي لم تحضر شيئًا من ذلك حتى تعلمه وتُخبِر الناس به (وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا) أي أممًا بعد موسى وعيسى (فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ) أي مكثوا زمنًا طويلًا فنسوا عهد ربهم وتركوا أوامره، فلذلك بعثناك للناس رسولًا، وأوحينا إليك خبر موسى وغيره لتُذَكِّرهم به، وتُخَوِّفهم من عذاب ربهم إن لم يؤمنوا، (وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا) أي مُقيمًا (فِي أَهْلِ مَدْيَن) حتى تعرف قصة موسي والشيخ الكبير وتخبر بها، ولكنك (تَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا) أي تخبر أهل مكة بهذه القصة عن طريق الوحى، (وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) حيثُ جعلناك رسولًا، وأوحينا إليك أخبارهم، لتكون شاهدة على صِدق رسالتك.
-الآية 46: (وَمَا كُنْتَ) أيها الرسول (بِجَانِبِ) جبل (الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا) أي حين نادينا موسى، حتى تخبر الناس بذلك الأمر (وَلَكِنْ) إرسالك للناس كانَ (رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ) (والمقصود بهم أهل مكة ومَن جاء بعدهم) (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) أي ليَتعظوا بالقرآن فيؤمنوا به ويهتدوا، ليَنجوا به ويَسعدوا.
-الآية 47، والآية 48: (وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) يعني: وإذا نزل بهؤلاء الكفار عذابٌ - قبل بِعثتك إليهم - بسبب شِركهم ومعاصيهم (فَيَقُولُوا) أي فسوف يقولون عندئذٍ: (رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا) يعني: هَلاّ أرسلتَ إلينا رسولًا قبل هذا العذاب الذي أصابنا (فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ) المُنزَّلة في كتابك، (وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ، (فلولا قولهم هذا لَعاجلناهم بالعذاب وما أرسلناك إليهم رسولًا، إذًا فما لهم لا يؤمنون ويشكرون؟!) .
? واعلم أنّ حرف (لولا) المذكور في قوله تعالى: (وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ) يُسَمّى (حرف امتناع) ، أي امتنع إنزال العذاب بهم لأنهم سيقولون: (رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا) ، وهذا هو معنى قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) .
(فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا) - وهو محمد صلى الله عليه وسلم وما معه من القرآن - (قَالُوا) : (لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى) يعني: هَلاّ أعطاه الله مِثل ما أعطى موسى من المعجزات الحِسِّيّة، والتوراة التي نزلتْ دُفعة واحدة، فرَدّ اللهُ عليهم بقوله: (أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ) حينَ (قَالُوا) عن