فهرس الكتاب
الأزهري في كل مناسبة يقول جهارًا: أشهد بالله إن هذا الرجل عالم وأنا راجع عما قلته فيه. أشهد بهذا وإن كنت أخالفه في بعض المسائل. فسقط في يد العمدة وشيخ الطريقة وخاب أملهما. فقال العمدة (المرفوت) : أيها الأستاذ، أرجو أن تتركوا هذه المناظرة إلى وقت آخر، فإني لم أدع الأستاذ المغربي للمناظرة بل دعوته لشرب القهوة.
وهكذا انتهت المناظرة بانتصار أهل الحق ولله الحمد. وفي صباح تلك الليلة ناول العمدة (المرفوت) الأستاذ الأزهري ما تيسر من الدراهم ورده إلى الأزهر.
بين السنة والبدعة:
وإذ أرخيت العنان للقلم في هذا الموضوع فمن المستحسن أن أضيف إليه قصة مناسبة حدثني بها الشيخ يوسف رحمه الله، حين زرت (ريرمون) بعد رجوعي من الهند سنة خمس وأربعين وثلاثمائة وألف .. أخبرني أنهم لما تمسكوا بالسنة وتركوا البدع كلها، شاع في الناس أن أهل ريرمون بدلوا الدين. فبلغ الأمر إلى وزارة الأوقاف في القاهرة أو في أسيوط، فجاء مفتش على أثر ذلك من وزارة الأوقاف، وتكلم مع الشيخ يوسف، وقال: إننا سمعنا أنكم بدلتم الدين وخالفتم جميع المساجد في ما يفعل يوم الجمعة وغيرها. فقال له: أنت عالم ونحن جهال، احضر معنا صلاة الجمعة، فكل ما رأيته مخالفًا للسنة تأمرنا بتركه فنتركه، وكل ما رأيته ناقصًا من السنة تأمرنا بفعله فنفعله. قال لي: يا شيخ يوسف، السنة على الرأس والعين، ولكن لا يخفى عليك أن الناس قد أحدثوا بدعًا مستحسنة من أزمنة متطاولة، والبدعة تعتريها الأحكام الخمسة، تكون واجبة ومستحبة ومكروهة ومحرمة أو مباحة كما صرح به غير واحد من أهل العلم، ولا نستطيع أن نبطل هذه البدع وقد ألفها الناس وعملوا بها وأقرها العلماء بالسكوت والاستحسان، قال: فقلت له: تريد منا إذن أن نترك السنة ونفعل البدعة! لا والله لا يكون ذلك أبدًا. فقال المفتش: ثم لا يخفى عليك أن هذا مسجد الأوقاف هي التي بنته وهي التي تنفق عليه. قال فقلت له: نحن قادرون نبني مسجدًا أحسن منه في سبعة أيام ونخلي لك الإمام والمؤذن يصليان فيه وحدهما. فقال المفتش: أو نصنع شيئًا آخر يوافق بين رأيي ورأيكم. فقال: ما هو؟ فقال: أصلي معكم الجمعة وتفعلون البدع التي كنتم تفعلونها من قبل، حتى أرجع أنا إلى مقر عملي وأخبر بأن ما شاع عنكم كذب، وبعد ذهابي ترجعون إلى ما كنتم عليه