فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 43

نناظرهم ونفحمهم, فقلت لهم: لكم رأيكم ولي رأيي، أنا لا أناظر أحدًا إلا من هجم علي، فإنني أضطر حينئذ لمناظرته.

والقاعدة التي أسير عليها هي تجنب المناظرة بقدر الإمكان، ومن خالفني أقول له أنا حارث وأنت حارث وأرض الله واسعة فخذ بقعة من الأرض واحرثها وأنا أحرث هذه البقعة، والحاصلات بيد الله، أقصد بذلك إنني أدعو إلى ما أعتقد أنه الحق، وهؤلاء الناس أمامك فادعهم أنت أيضًا، فمن استجاب لي فهو لي ومن استجاب لك فهو لك، ولا حاجة بنا إلى خصام ولا نزاع.

فبلغ العمدة (المرفوت) وأستاذه الأزهري كلامي هذا، فزاد طمع العمدة أستاذه، وفسر ذلك بأني ضعيف، فعزم الأستاذ الأزهري، بإيعاز من العمدة (المرفوت) أن يهجم عليّ في الجامع الأعظم عند إلقائي درسي، فبعث إليه الشيخ يوسف -رحمه الله- رسولًا يقول له: نحن قد اخترنا هذا الأستاذ المغربي بعدما ألقينا عليه كل ما عندنا من مشكلات، وأجابنا أجوبة مقنعة، والمسجد لم يبن للمهاوشات والمنازعات. والله إن جئت وفتحت (بقك) بكلمة واحدة في الاعتراض على المغربي لآمرن خفرين يرافقانك إلى محطة القطار ويركبانك فيه. فوقع العمدة (المرفوت) وأستاذه الأزهري في حيص بيص وتحيرا في أمرهما.

وكنت ذات يوم من أيام رمضان مدعوًا إلى الإفطار عند العمدة الحقيقي الذي هو الحاكم على البلد، وكان ملحدًا، قال لي: «أنا لست معكم ولا معهم، ولكني أرى عقيدتكم أقرب إلى العقل من عقيدتهم» . فلما فرغنا من الإفطار رجعت مارًا بقصر العمدة، لأنه في طريقي، فإذا بشيخ الطريقة يسلم عليّ ويصافحني ويقول: إن سعادة العمدة يدعوك لتشرب عنده كوبًا من القهوة. فقلت: عندي درس بعد التراويح. فقال: خمس دقائق.

فدخلت القصر ثم رافقني إلى مقصورة وجدت فيها الأستاذ الأزهري جالسًا وحده، فما استقر بي المجلس حتى بدأ الأستاذ في طرح الأسئلة.

وتصديت لجوابه، ووقعت المناظرة التي كانا يرغبان فيها. ولما سمع الناس بذلك تركوا صلاة التراويح. فحانت مني التفاتة إلى حديقة القصر فرأيتها كلها قلانس وعمائم، والناس جالسون على بساط النجم الذي كانت أرض الحديقة مفروشة به، فأخذ الأستاذ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت