فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 19

تكن هذه التوسعات دون ضوابط حتى لو لم نستطع في بعض الأحيان أن نتنبَّه لها، أو على الأقل حتى لو لم نتَّفق عليها، وقد تُسَمَّى هذه التوسعات بـ:"المجاز"، وهو ما يعني أن الكلام لا ينبغي أن يؤخذ على ظاهره أو حرفيته، وهذا -كما سبَق القول - معروف عند دارسي اللغات، ولنأخذ حرف الجر"في" (الموجود في الآية) لنرى ماذا يقول النُّحاة في استعمالاته: فهم يقولون: إنه يستخدم في عشرة معانٍ: الأول: الظرفية، زمانًا أو مكانًا، حقيقة أو مجازًا، ومن الزمانية:"حضرتُ إلى الاجتماع في العاشرة مساء"، ومن المكانية:"سكنتُ في هذا البيت أعوامًا طوالًا"، الثاني: المصاحبة، نحو قوله -تعالى-: {ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ} [الأعراف: 38] ؛ أي: بمصاحبتها، الثالث: التعليل، نحو: {فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} [يوسف:32] ؛ أي: بسببه، الرابع: الاستعلاء، نحو قوله -تعالى-: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71] ؛ أي عليها، الخامس: مرادفة الباء، نحو:"فلان بصير في الموضوع الفلاني"؛ أي بصير به.

السادس: مرادفة"إلى"، نحو قوله -تعالى-: {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} [إبراهيم: 9] ؛ أي: مد الكفارُ أيديهم إلى أفواه الرسل ليمنعوهم من الدعوة إلى الهدى والنور.

السابع: مرادفة"من".

"الثامن: المقايسة، وهي الداخلة بين مفضول سابق وفاضل لاحق؛ كما في قوله - سبحانه: {فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} [التوبة: 38] ؛ أي: إن متاع الحياة الدنيا بالقياس إلى الآخرة قليل."

التاسع: التعويض؛ كما في قولنا:"دفعتُ في هذا الكتاب عشرين جنيهًا"، العاشر: التوكيد، وأجازه بعضهم في قوله -تعالى-: {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا} [هود: 41] ؛ أي: إن الركوب لا يكون إلا في السفينة؛ ولذلك لا ضرورة للنَّص على ذلك إلا من باب التوكيد (انظر في ذلك مثلًا"مغني اللبيب"؛ لابن هشام) .

وفي القرآن الكريم نقرأ قوله - عز وجل: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ} [البقرة: 19] ، والمقصود أن كلاَّ منهم يضع طرف إصبع واحدة من أصابعه عند فتحة الأذن، لا في داخلها، ونقرأ: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] وطبعًا لم يجعلِ المولى الإنسان خليفة في الأرض، أي في باطنها، بل على سطحها، ونقرأ: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} [البقرة: 93] ، وليس المقصود العجل نفسه بل عبادته، وهي لا تُشرب ولا تدخل في القلب بالمعنى الذي نعرفه، ونقرأ: قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت