عمها الملك الكامل ابن الملك العادل وماتت عنده، وملَك بعد السلطان صلاح الدين مصر ابنه الملك العزيز عثمان، وملَك دمشق بعده ابنه الملك الأفضل علي، وملك حلب ابنه الظاهر غازي كما كانوا أيام أبيهم"، وإن كنت لا أحبُّ أن أقف عند هذه النقطة أطول من ذلك، رغم إمكان اتِّخاذها دليلًا إضافيًّا على الاضطراب والتدليس في تلك الحدوتة؛ إذ ثم سؤال يفرِض نفسه هنا، ألا وهو: ماذا كانت صلاحية الأمير الظافر في حلب بحيث يقوم بتضييف الرهبان المذكورين، ولم تكن له صفة رسمية في تلك المملكة؟"
كذلك ففي هذه الفقرة الأخيرة يوقِع المحقِّقَ في المهالك غباؤه مرة أخرى، فيكون في هذا برهان جديد على أنه لا توجد جريمة كاملة أبدًا، مهما ظن مرتكِبها أنه قد احتاط فيها لكل شيء فسدَّ كل الثغرات ولم يترك وراءه قط أي أثرٍ يمكن أن يكشف أمره، إذ قال الكذاب عن الأنبا جرجي المزعوم: إنه"من هؤلاء الشجعان الذين أرهفوا القلم وأحسَنوا البيان"، مع أن راوي الحدوتة المضحِكة قد ذكَر أن ما جرى على لسان ذلك الأنبا (الذي ليس له وجود إلا في العقول المدلِّسة) لم يكن سوى كلام شفوي لم يُستخدم فيه قلم ولا ورق، ولم يكن ثَمة وقت للتحبير وإظهار البيان، على عكس ما يكذِب المحقِّق المدلِّس الذي يعرف قبل غيره أن هذه المجادلة لم تقع قط، وأنه لم يكن هناك مِثل ذلك اللقاء المزعوم بين جرجي ومن سماهم بـ:"أئمة المسلمين"، كذلك أين كتبه الأخرى التي تُظهر براعته البيانية ومواهبه العقلية؟ بل أين أخباره وتاريخ حياته عندهم، وهو الرجل الذي انتصر ذلك الانتصار الباهر على المسلمين وفي حضور أمير من كبار أمرائهم كما يزعمون؟ وبالإضافة إلى هذا فإن في الحدوتة أخطاء لُغوية لا تليق إلا بكذاب غبي مثله، إنهم أهل الإعلام الطنَّان من قديم الزمان، وصُنَّاع النجوم الزائفة بالباطل! ثم لو كان هناك لقاء كهذا، فأين خبَره في كتب المسلمين؟ أمن المعقول أن يقع مِثل ذلك اللقاء، وأن يكون وقوعه في معسكر الأمير الأيوبي ابن صلاح الدين، ثم تسكُت عنه كل كتب المسلمين فلا تتعرَّض له ولو بكلمة؟ لقد ذهبتُ ففتَّشتُ بطون كتب تلك الفترة فلم أجد لتلك الحدوتة من أثر، بل لم أجد أي أثر لأي واحد من طرفيها: لا الأنبا جرجي ولا الفقهاء الثلاثة الذين تقول الحدوتة: إنهم جادَلوا هذا الجرجي فجَنْدَلهم، وهم أبو سلامة وأبو ظاهر والرشيد