مؤلِّف يكتب ما يعِنُّ له أو ما يؤمن به أو ما وصَله وكان على هواه!
-وهذا ما يقوله لوقا مثلًا في أول الترجمة التي كتَبها عن السيد المسيح والمسمَّاة:"إنجيل لوقا"، وهي في الحقيقة ليست من الإنجيل في شيء، اللهم إلا بعض بقايا من بقاياه مما استطاعت الذاكرة النصرانية آنذاك الاحتفاظ به بعُجَره وبُجَره:"1 إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقَّنة عندنا، 2 كما سلَّمها إلينا الذين كانوا منذ البَدء مُعاينين وخدامًا للكلمة، 3 رأيت أنا أيضًا إذ قد تتبَّعت كل شيء من الأول بتدقيق، أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس، 4 لتعرف صحة الكلام الذي عُلِّمت به"، فالأمر إذًا - كما يرى القارئ - لا يعدو أن يكون تأليفًا منقولًا مما سمِعه لوقا وغيره، لا وحيًا من السماء نزل على عيسى وحفِظه التلاميذ من بعده كتابة واستذكارًا كما هو الحال في القرآن الكريم، أو حتى في الحديث النبوي الشريف رُغم نزوله في درجة اليقين عن كتاب الله، لقد كان القرآن المجيد يُكتب أولًا بأول غِب نزوله من عند الله، كما كانت الذاكرة البشرية تظاهِر القلم في ذلك، وفي كل جيل كان ولا يزال هناك ملايين من المسلمين كبارًا وصغارًا يحفظون القرآن عن ظهر قلب، وفي الأحاديث كان هناك منهج لكل محدِّث يعتمِده في قَبُول أو رفض ما يجمعه من الروايات المنسوبة إلى رسول الله، علاوة على أن المسلمين يحفظون كثيرًا من كلامه - صلى الله عليه وسلم - أما الإنجيل فلم يعرف هذا ولا ذاك، إذ لم يحدُث أنْ كُتِب منذ البداية أو فكَّر أحد في حفْظه في صدره، كما أن مؤلِّفيه لم يستنِدوا إلى أي منهج في قبُول ما وقع لهم من الروايات المتعلِّقة بحياة السيد المسيح أو رفضها، وهذا جليٌّ من كلام لوقا في مفتَتح السيرة التي ألَّفها عن حياة عيسى - عليه السلام - كما مرَّ آنفًا.
-وإلى القارئ المثالين التاليين كيلا يكون كلامنا بلا دليل، وأحدهما خاص بنسب السيد المسيح، والآخر يتعلَّق بالحجر الذي قيل: إنه كان يسدُّ القبر الذي دُفن فيه ثم زُحزح من موضعه، فأما بالنسبة لنَسَب المسيح فمتَّى في بداية الإصحاح الأول يقول: إن عيسى - عليه السلام - هو ابن داود بن إبراهيم؛ أي إنه من سلالة بشرية:"1 كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم: 2 إبراهيم ولَد إسحاق، وإسحاق ولَد يعقوب، ويعقوب ولَد يهوذا وإخوته،"