الصفحة 36 من 81

ينكشِف فيه ما تُخبِّئه الكنائس في سراديبها البعيدة عن العيون من مخطوطات لا تريد أن يُلقي عليها أحدٌ نظرة؛ مخافة الافتضاح وانهيار البناء المؤسَّس على الباطل!

-ومرة أخرى نقول: إن الإنجيل الذي يتحدَّث عنه الإسلام هو الإنجيل الذي نزل على عيسى، لا الأناجيل التي كُتِبت بعد رفْع الله له، فهذه مجرد تراجم للسيد المسيح تُشبه في إطارها العام سيرة نبينا - عليه السلام - مع الفارق الكبير المتمثِّل في أن السيرة المحمدية قائمةٌ على الإسناد؛ بحيث يعرف القارئ من أين بدأ الخبر، ومَن نقَله لنا، وعمن نقَله، أما الأناجيل فهي كتابات كتبها أصحابها دون أن يعنُّوا أنفسهم بإسناد ما يكتبونه، بل يعتمِدون على الشائعات والروايات المختلفة بلا أية محاولة للتثبُّت والتمحيص، لكن أين الإنجيل الذي كان يبشِّر به المسيح - عليه السلام؟ ذلك هو مربط الفرس! إن في الأناجيل الحالية كلامًا للسيد المسيح - صلى الله عليه وسلم - يذكُر فيه الإنجيل، وهو ما يعني أنه كان هناك إنجيل يبشِّر به - عليه السلام - قبل تلك الأناجيل التي بأيدي النصارى حاليًّا، إلا أن الأناجيل الحالية لا تذكُر في أي موضع منها على الإطلاق أن تلاميذ عيسى ابن مريم كانوا يكتبونه، وأعتقِد أن هذا هو السبب في أنه قد ضاع، لقد بقيت منه - فيما نتصوَّر - عبارات وشذرات نَقَلَها لنا كتَّاب الأناجيل الموجودة بين أيدينا الآن، أما باقي ذلك الإنجيل فلم تحتفِظ به ذاكرة النصارى آنذاك، وبخاصة أن أتباع عيسى - عليه السلام - كانوا - كما هو واضح من القراءة اليقظة للأناجيل - قلة قليلة جدًّا، حتى إنهم عند القبض عليه (حسب رواية تلك الأناجيل) ، قد تركوه يُقاسي وحده مصيره الرهيب دون أدنى محاولة من جانبهم للدفاع عنه أو تخليصه من أيدي أعدائه، لا يُستثنى من ذلك أقرب المقرَّبين من حوارييه إليه؛ إذ وجدنا بطرس ينكِره ويقسِم بالله كذبًا: إنه لا يعرف عن هذا الرجل شيئًا، كما أن واحدًا آخر من المؤمنين به خلَع عن نفسه ملابسه التي أمسكه الجند منها ومضى يجري لا يلوي على شيء وهو بلبوص لا يغطي عورتَه غطاء، فضلًا عن أن الاضطهادات كانت تنتاش هذا العدد القليل جدًّا من كل جانب فلم تدعْ لهم عقلًا، فيما يبدو، يذكرون به كل ما قاله السيد المسيح، وبخاصة في ظل الظروف الغريبة التي انتهت بها حياة المسيح على الأرض! ومن هنا كانت الاختلافات الرهيبة بين الأناجيل المختلفة؛ إذ كان كل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت