الصفحة 57 من 81

-قال الراهب: فهل عبادتك لله مع كلمته ورُوحه أم لا؟

-قال المسلم: أعبُد الله وروحه وكلمته.

-قال الراهب: قل الآن: أومِن بالله وروحه وكلمته.

-قال المسلم: آمنتُ بالله وروحه وكلمته، ولكني لا أجعلهم ثلاثة آلهة، بل إله واحد.

-قال الراهب: فهذا الرأي هو رأيي واعتقادي واعتقاد كل نصراني، وإلى هذا كان قصدي بأن أقودك إليه لتعرف الثالوث: الآب الذي هو الله، والابن الذي هو كلمته، ورُوحهما القدوس.

-وكان الأمير متَّكئًا فاستولى جالسًا ورفَع عن حاجبيه شربوشه، وصفَّق وكبَّر، وقال ضاحكًا: وحق علي يا أبا سلامة لقد نصَّرك الراهب وأدخَلك في دينه"."

-ومرة أخرى نجد أنفسنا وجهًا لوجه مع الخُبث والتفاهة والتهافت؛ فالقرآن لا يقول عن عيسى - عليه السلام: إنه روح الله، بل"روح منه"، وهو في هذا لا يتميِّز على أي إنسان كائنًا من كان؛ إذ ما من أحد من بني آدم جميعًا إلا وفيه من روح الله؛ قال - تعالى: {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [السجدة: 6 - 9] ، فالله، كما تقول الآية الأخيرة، قد نفَخ في البشر من رُوحه - سبحانه - وهذا هو نفسه الوضع في حالة عيسى - عليه السلام - فهو إذًا كسائر البشر: كلاهما مخلوق، أمَّا إنه - عليه السلام - كلمة الله فالمقصود كلمة:"كن"فيكون، وهذا هو نفْسه الوضع في حالة آدم أيضًا: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59] ، وطبعًا ليس المقصود أنه هو الكلمة ذاتها، بل العبارة هنا على المجاز؛ إذ ليس عيسى ولا أي مخلوق آخر غير عيسى هو الكلمة نفسها، بل ما أحدثتْه الكلمة في عالم الوجود، وذلك كما يقول الواحد منا لغيره:"أنا ذراعك اليُمنى"، ولا يمكن أن يقصِد أنه ذراعه فعلًا، بل المقصود أن بإمكانه الاعتمادَ عليه مثلما يعتمِد على ذراعه، ومثل ذلك ما قاله ابن منظور صاحب"لسان العرب"في مادة"يَمُنَ"، ونصه:"وفي الحديث: الحجر الأسود يمين الله في الأرض، قال ابن الأثير: هذا كلام تمثيل وتخييل، وأصله أنَّ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت