برع، ومن جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية تناقضت عليه الفروع واختلفت وتزلزلت خواطره فيها واضطربت، وضاقت نفسه لذلك وقنطت، واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى وانتهى العمر ولم تقض نفسه من طلب مناها ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات، واتحد عنده ما تناقض عند غيره وتناسب.
وأجاب الشاسع البعيد وتقارب وحصل طلبته في أقرب الأزمان وانشرح صدره لما أشرق فيه من البيان فبين المقامين شأو بعيد وبين المنزلتين تفاوت شديد" [13] ."
ولذا قال العلامة ابن عثيمين -رحمه الله-:"فينبغي أن يكون عند طالب العلم حصيلة من القواعد والأصول، التي يبني عليها، حتى إذا سئل عن أي مسألة، ردها إلى هذه القاعدة العامة. لذلك أحث طلبة العلم على معرفة القواعد والأصول؛ لأنها تنمي مواهبهم وتجمع لهم شوارد العلم" [14] .
ويضيف الحافظ السيوطي -رحمه الله-أهمية أخرى للقواعد، في أنها تعين الفقيه على فهم فقه النوازل بقوله:"اعلم أن فن الأشباه والنظائر فن عظيم، به يطلع على حقائق الفقه ومداركه، ومآخذه وأسراره، ويتمهر في فهمه واستحضاره، ويقتدر على الإلحاق والتخريج، ومعرفة أحكام المسائل التي ليست بمسطورة، والحوادث والوقائع التي لا تنقضي على ممر الزمان" [15] .
عن أبي القاسم عبيد الله بن عمر بن أحمد [16] قال:"إن من حق البحث والنظر الإضراب عن الكلام في فروع لم تحكم أصولها والتماس ثمرة لم تغرس شجرها وطلب نتيجة لم تعرف مقدماتها" [17] .
وفي الجملة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- قاعدة جامعة لسائر الأمة:"لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية يرد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزيئات كيف وقعت، وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات وجهل وظلم في الكليات، فيتولد فساد عظيم" [18] .
وقال الحافظ ابن عبد البر -رحمه الله-:"ولقد أحسن القائل:"
وَلَا يَنَالُ ذُرْوَةَ الْغَايَاتِ إِلَّا عَلِيمٌ بِالْمُقَدِّمَاتِ" [19] ."