الصفحة 11 من 72

تراها وتحكيها بالعامية، وما المشكلة إذا تمكنا من فهم لهجات لغتنا العربية الجميلة واستوعبناها؟ وهل ألغى رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم لهجات القبائل عند بعثته؟"، وفي ص 42 نقرأ ما يلي:"وهنا أتذكر فعلًا صحيحًا مضعفًا، هو فعل"مد"، فعند إسناد ذلك الفعل إلى الضمائر المختلفة لا نسمع أحدًا من ناطقي اللغة العربية المحكية (العامية) من المحيط إلى الخليج يقول:"مددت"، ونجدهم جميعًا يقولون: مدِّيت"، وبالمثل نسمعه في ص 46 يقول:"وهنا لا بد من الإشارة إلى أن أكثر من نصف ناطقي اللغة العربية المحكية (العامية) يقولون للفتاة:"تلعبي"و"تكتبي"بإسقاط النون التي تدل على الرفع، شاء ذلك النحاةُ أم أبَوْا"، وفي ص 140 يقول:"إذا قال أحدنا:"أكل أحمدَ التفاحةُ" (بنصب الفاعل ورفع المفعول به) ، فلا أحد منا يقول: إن الفاعل هو"التفاحة"، وإن المفعول به هو"أحمد"، بالرغم من مخالفة حركات أواخر الكلمات لاشتراطات النحاة، وهنا نأمل ألا يجيب أحدهم قائلًا: ولكن كيف نعرف الفاعل في قولنا:"قتل أحمدَ زيدٌ"، أو العكس:"قتل أحمدُ زيدًا"؟ هنا أجيب وبأعلى صوت: الفاعل هو الذي يأتي أولًا، وأوقِفوا هذه التخريجات التي لا تُسمِن ولا تغني من جوع، وما غايتها إلا إضاعة الجهد والوقت والمغالطة! وهل يستخدم القضاة في بلادنا العربية قواعدَ سيبويه النحوية ليعرفوا القاتل من المقتول عند استجواب الشهود الذين لا يحركون أواخر الكلمات في اللهجة العربية الدارجة؟"."

من هذه المقتبسات أرجو أن يكون قد تبين مدى الاضطراب الذي يسُود دعوة الكاتب، وإن كنت لا أستبعد مع ذلك أن يكون قد قصد هذا قصدًا (قصده بنفسه أو قُصد له) بُغْيةَ التعمية على وعي القارئ وتخديره؛ كي يتسرب الغزل الذي يتغزله في العامية الدارجة إلى نفسه بهدوء ودون استفزاز، فلا يقف في وجهه رافضًا مستنكرًا.

ومعروف أن الدعوة إلى العامية ذات تاريخ معروف ومريب في العصر الحديث، وقد تولى كِبْرَها عددٌ من المستشرقين والمبشِّرين ومَن جرى في ذيلهم من أبناء جِلدتنا الذين يتسمَّون بأسمائنا، لكنهم يَطْوون كشوحَهم على مستكنة من الحقد على الإسلام ولسانه العربي الذي تشرف بكتابه الكريم، وإن الإنسان ليتساءل: ترى أية عامية تلك التي يريد هؤلاء أن يُحلُّوها محل الفصحى؟ إن العاميات العربية لا تكاد تحصى [1] ، ومعنى هذا أن يصبح للعرب لغات بعدد

(1) وهذا أمر اعترف به المستشرقون قبلنا بزمن طويل، فها هو ذا سهيتا، المستشرق الألماني في 1880 م، يعلن أنه لم يستطع الإلمام بالعامية المصرية؛ لتعدُّد لهجاتها واختلافها من بلد إلى بلد، ومن حي إلى حي؛ ولذلك فمن المحال أن يلم بكل لهجاتها، بل إنه لمن المحال أيضًا أن يلم باللهجات المتعددة في أنحاء القاهرة وحدها؛ انظر د. نفوسة زكريا سعيد/ تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر/ دار نشر الثقافة / الإسكندرية / 1383 هـ - 1964 م/ 20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت