وشتان بطبيعة الحال بين لَيِّ اللسان بهذه اللغة الأجنبية أو تلك وبين إتقانها ومعرفة قواعدها، لكن ما للعوامِّ والدجالين وهذا؟
بقيت مسألة، وهي الشُّبهة التي يرفعها في وجه النحو والصرف الكارهون للعربية وأساليبها العجيبة وتراثها الثَّري العظيم؛ إذ يقولون: ولماذا لا نسكن أواخر الكلمات التي تعرب بالحركات، ونلزم فيما يعرب بالحروف وضعًا واحدًا، أو لماذا لا نترك كل إنسان يحرك أواخر الكلمات أو يختار الحرف الذي يجعله في نهايتها حسب هواه، ونجري في تركيب الجملة العربية على وتيرة واحدة لا تتغير، كما هو الحال في اللغات الأوروبية المعروفة لنا ونريح ونستريح؟ لكنَّ قائلي هذا الكلام قد فاتهم عدة أشياء: فمنها أننا سنغير لغتنا تغييرًا عنيفًا يرجُّها رجًّا وينقلها من حال إلى حال تبدو معه اللغة التي أُلِّف بها تراثنا على مدار ستة عشر قرنًا ويزيد كأنها لغة أجنبية لا بد من صرف الوقت والجهد لتعلمها من جديد، وقد نتقنها بعد هذا كله أو لا نتقنها، كما هو شأننا مع اللغات الأجنبية، ويأتي على رأس هذا التراث كتاب الله الكريم، الذي يظن زكريا أوزون ومَن أَزَّه على هذا الكلام العجيب أنه يستطيع أن يختلنا في شأنه بالقول بأن القرآن شيء مختلف، وأننا لن نتعرض للغته على أي وضع، بل يبقى له الإعراب، وهل يستطيع أحد، بعد أن نسقط ذلك الإعراب من لغتنا الجديدة، بل بعد أن نطرح عنا اللغة الفصحى جملة ونركن إلى العامية (بل العاميات التي لا تكاد تنتهي عدًّا) ، أن يفهم لغة القرآن؟ إن هذا منطق إبليسيٌّ لا يمكن أن يدور إلا في عقول الشياطين! وهو، في حال أوزون، ترديد ببغائي لِما أذكر أني قرأته عند أحد النصارى ممن يَدْعون إلى الأخذ بالعامية وإهمال الفصحى، فانظر أيها القارئ إلى ما تهجس به الضمائر الملتوية، ثم يأبى الله إلا أن يفضح نياتها السود فيطفو على ألسنتهم ذكر القرآن، الذي إنما يتكلفون هذا كلَّه لحربه ومحوِه من الوجود في صمت لا يستفز مشاعر الغيارى من العرب والمسلمين، إلا أنه سبحانه يُنطِق ألسنتهم بما تريد قلوبهم أن تخفيه في أطواء كهوفها المسكونة بعقارب الحقد وأفاعيه!
ثم سؤال آخر: أيهما أحسن خطة وأبرَكُ عُقُبًا؟ ألاَّ يكونَ للجملة العربية إلا تركيب واحد لا تعدوه كالفقير الذي لا يعرف إلا لونًا أو اثنينِ من الطعام لا يغيِّرهما على توالي الأيام والأعوام، أم أن يظل لها ثراؤها الذي نعرفه والذي يتيح للكاتب والمتكلم أن يتفنن كما يحب في بنائها بالتقديم والتأخير، والحذف والإضافة، والاعتراض والتلوين في أمان وثقة ويُسْرٍ بحيث يبدو النص الأدبي، وبخاصة عند أولئك الذين تشربوا عبقرية الأسلوب العربي، حديقة حالية بفاتن