بالتسجيلات والشرائط التي يستمع إليها الطالب، ويحتذي ما تقدمه له من نماذج احتذاءً يقوم على كثرة التكرار حتى تنطبع الصيغ والتراكيب السليمة في ذهنه، وينطق بها لسانه دون تفكير كأنها سليقة فيه.
ولقد تعلمتُ اللغة الإنجليزية في أكسفورد على نفسي أكثر مما تعلمتها على أيدي المدرسين بعد أن عرفت كلمة السر هذه، فكنت حريصًا على أن أشتري كل ما تقع عليه عيني من كتب لتعليم تلك اللغة، ثم أعكف على تمارينها النحوية حلاًّ واحتذاءً نطقيًّا لِما فيها من نماذج حتى أحسستُ أن لساني قد نشِط من عقاله، واستقام بعد اعوجاج، ثم عدت بعد ذلك إلى الفرنسية، التي كنت قد درستُها في المدرسة في مصر ونسيتها إلى حدٍّ كبير في غمرة انشغالي بتعلم لغة جون بول، فبدأت دراستها من جديد بذات الطريقة، وبلغت فيها في مدى زمني جد قصير ما لم أستطع بلوغه في السنوات الطوال التي صرمتها في تعلمها في أرض الوطن، ونفس الشيء صنعته في لندن مع الفارسية في آخر شهرين قضيتهما هناك عقب حصولي على درجة الدكتوراه، ثم مع الألمانية، التي درستها في معهد جوته بالقاهرة، واستطعت بعد عدة شهور أن أقرأ بها ترجمات القرآن الكريم، وإن كنت قد أهملتُ للأسف هاتين اللغتين فيما بعدُ حتى أُنسيتهما؛ لعدم توفر المؤلَّفات المكتوبة بهما في مصر إلا في نطاقات المتخصصين الضيقة.
ولكن قبل ذلك كله لا بد من توفر الهمة والإرادة والرغبة الصادقة، بل العارمة عند الطالب، وإلا فلو ذوَّبنا له قواعد النحو والصرف في كوب من الشربات وسقيناه إياه بـ"الملعقة الصيني"كما تقول الأغنية الشعبية، فلا أمل في أن يتعلمها؛ لأن عقله لن يتفاعل معه، بل سيرفضها كما يرفض الجسم عضوًا غريبًا عليه.
الهمة والإرادة: هاتان هما كلمة السر والسحر التي تنفتح بها الأبواب، وتذلل بها الصِّعاب، وتعنو للإنسان شُمُّ الجبال والهضاب! وبدونها لن يفلح عباقرة الأرض جميعًا في تعليم إنسان أي شيء.
لقد كثُر القول في عصرنا: إن النحو العربي صعب، فهل يا ترى يتقن طلابنا نحو الإنجليزية أو الفرنسية أفضل مما يتقنون نحو العربية؟ أستطيع أن أجيب من واقع خبرتي الطويلة في التعليم بملء فمي وبملء يقيني معًا بالنفي، إن أشباه العوامِّ والدجالين من الذين يُزْرُون بالنحو العربي هم الذين يتوهَّمون أو يريدون أن يتوهم الآخرون أن الجواب الصحيح على ذلك السؤال هو:"نعم"؛ إذ يكفي أن يلوي شخص ما لسانه أمامهم بلغة أجنبية - كالإنجليزية مثلًا - حتى يقولوا: انظروا كيف يتكلم الإنجليزية ويتصرَّفُ في نحوِها بسلاسة لا يستطيعها في لغة أمته!