الصفحة 70 من 72

مِن طالب متفوِّق بعد ذلك بسنوات أنهم قد أفادوا أكبرَ الفائدة من هذه الدروس، وأنهم كانوا يحبونها، ولكن لا بد أن أشفع هذا بالقول بأن ذلك الحب لم يكن عامًّا بين الطلبة، أقول هذا وأقول معه بأنني لستُ متخصِّصًا في النحو ولا في الدراسات اللغوية، بل في النقد والأدب، والطريف أنني أنا وأحد أصدقائي بالقرية كنا نفعل شيئًا من هذا عندما كنا في آخر المرحلة الإعدادية، فقد كنا نصعد في مئذنة الجامع الكبير في قيلولة الصيف في أوائل ستينيات القرن الماضي، ونجلس هناك في مهب النسيم العليل ينفحنا من شجرة"ذقن الباشا"المجاورة للمسجد، وفي أيدينا كتاب من كتب الأدب، أذكر منها"الزنبقة"لحسين عفيف، فيقرأ أحدنا فيه على حين ينصت الثاني له، وإذا ما أخطأ نبَّهه إلى خطئه، ولست أدعي أننا كنا نتنبه دائمًا للخطأ والصواب، ولكنها كانت الخطوات الأولى على طريق عِشق اللغة وإتقان القراءة والكتابة الصحيحة.

كذلك ينبغي أن تكون التطبيقات في البداية من الكتابات العصرية، والمقالات التي يؤلفها الصحفيون المشهورون بجمال أسلوبهم وحيوية ما يكتبون؛ فإن ذلك أقمنُ أن يزيل من نفوس الطلبة الرهبةَ والوحشة، ويُشعِرهم بأنهم يتنفسون هواءً طبيعيًّا، فلا يرتبط النحو والصرف في أذهانهم بالتكلف والتقعر، أوصي بهذا لأن الأساليب العصرية تخلو من التراكيب النادرة التي لم تعُدْ تُستَخْدم، والتي يرهق الذهنَ إعرابُها مع ذلك إرهاقًا.

فإذا ما قبض الطالب على أزِمَّةِ النحو في استعمالاته المعاصرة، قدمت له بعض النصوص القديمة إلى جوار النصوص الحديثة ... وهكذا، ولا بد في أثناء ذلك كله مِن تفهيم الطلاب أن الإعراب هو السبيلُ إلى التعبير السليم الحساس عما بنفس الكاتب، فضلًا عن أنه يتيح له حرية لا نظير لها في أية لغة أخرى لتنويع طرائق التعبير واصطياد أدق الأفكار والأحاسيس بأوجز طريق [1] ، وأنه أيضًا السبيل إلى فهم ما يريد ذلك الكاتب، فلم يؤتَ به للزينة الفارغة ولا للتحكم المرهق.

كذلك ينبغي ألا يُرَدَّ استعمالٌ أو إعراب يمكن أن يوجد له وجه، فلا يبدو النَّحْوي كالشريك المخالف، الذي أخذ على عاتقه معاندة الآخرين بكل طريق، ومن المستحسن هنا الاستعانة

(1) ونضرب مثالًا واحدًا لما نريد قوله، وهو أننا نستطيع أن نقول في الفصحى:"ضرب محمد عليًّا، وضرب عليًّا محمد، عليًّا ضرب محمدٌ، وعليًّا محمد ضرب، ومحمد ضرب عليًّا، ومحمد عليًّا ضرب"، ولكل تركيب من هذه التركيبات شِيَة خاصة به في المعنى، أما في العامية فليس أمامنا إلا أن نقول:"محمد ضرب علي"، وقد ورد هذا المثال في كتاب"مستويات العربية المعاصرة في مصر"للدكتور السعيد محمد بدوي (دار المعارف بمصر / 56) ، وبطبيعة الحال فإن الأمر أعقد من ذلك وأوسع، لكنه مثال يشير إلى ما وراءه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت