الصفحة 69 من 72

مقالًا إلا إذا كان ينفعهم نفعًا مباشرًا في الرسالة التي يعدونها، أفيصحُّ إذًا أن نفاجأ برداءة أساليبهم وما يطبع تفكير أكثرهم من سقم وفوضى واستعصائهم على الإصلاح؟ إن صدورنا، على رغم تصبُّرنا وما نأخذ به أنفسنا من التسامح وطول البال، لَتَضيق أشد الضيق ونحن نرى الطالب مِن هؤلاء يعود مرة بعد مرة بعد مرة بعد مرة ... إلى اجتراح نفس الأخطاء التي نصلحها له ونشرح له وجه الصواب فيها مردفين له كل هذا بالأمثلة الموضحة، ثم يقول زكريا أوزون: إن النحو العربي لا علاقة له بالمنطق ولا بالعقلانية، إنه هو نفسه أكبر دليل على صحة ما أقول؛ إذ يتصدى لمهمة جليلة لم يستعدَّ لها ولا بواحد على مائة مما تستلزمه هذه المهمة الجليلة من استعداد.

كذلك ينبغي التنبيه إلى أن تدريس النحو يتجه في الغالب، وبكل أسًى وأسف إلى حفظ القواعد، أما التطبيق فلا يلقَى العناية الكافية ولا اللائقة، وعادة ما يقتصر على الإعراب، والنتيجة أن كثيرًا جدًّا من الطلاب يحفظون القواعد عن ظهر قلب، لكنهم لا يستطيعون أن يعربوا، وأن كثيرًا جدًّا من الماهرين في الإعراب لا يستطيعون رغم ذلك أن يقرؤوا أو يكتبوا على نحو سليم، وبهذا تحوَّل حفظُ قواعد النحو والإعراب إلى هدفٍ في حد ذاته، مع أنهما في حقيقة الأمر ليسا أكثر من وسيلة إلى النطق الصحيح، والكتابة البريئة من العيوب والأخطاء، واكتساب الحساسية التعبيرية عما يستكنُّ في أطواء النفس من المشاعر والخلجات، وما يدور في الذهن من أفكار ومعانٍ، وما تجيش به الحياة حولنا من مرئيات ومسموعات ومشمومات وملموسات.

ولست أنسى، عندما كُلِّفتُ أنا وزملائي - قبل حصولنا على درجة الدكتوراه - بأن ندرِّسَ النحو لطلاب القسم في آداب عين شمس تدريسًا تطبيقيًّا، كيف أني لم أبالِ كثيرًا بمسألة الإعراب أو ترديد نصوص القواعد، بل جعلت كل وُكْدي تقريبًا إلى تدريب الطلاب على قراءة بعض المقالات لكبار الصحفيين المشهورين بحيوية الموضوع، وحلاوة الأسلوب، بحيث يقرأ أحد الطلاب وينصت الباقون إليه، فإذا أخطأ رفعوا أيديهم وبينوا موضع الخطأ وذكروا وجه الصواب، مع الإشارة السريعة إلى القاعدة التي تحكم ذلك، بالإضافة إلى تكليفهم بكتابة نحوِ صفحة في البيت يحضرونها معهم، ويقرأ كل منهم صفحته بنفس الطريقة التي يقرؤون بها المقال الصحفي، ثم نختم الدرس بأن أقرأ أنا عليهم نصًّا أختاره، وأتعمَّد اجتراح خطأ في كل جملة من جُمَله، ومن يكتشف ما وقعتُ فيه يرفع يده ويصوبه ... وهكذا، وقد ذكر لي أكثرُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت