الصفحة 68 من 72

نعلِّمُهن اللغة العربية في آداب عين شمس في الثمانينيات عندما رأت الزحام الهائل للطلبة والطالبات في طرقات الجامعة يقتُلون وقتهم في الثرثرة والجلوس في ظلال الأشجار وتبادل النكات والقهقهات، إذ قالت في دهشة:"هذه ليست جامعة؛ بل ناديًا اجتماعيًّا!"، فهل من المستغرب أن يكونوا ضعفاء في اللغة وقواعدها؟ إنهم ضعفاء في كل شيء لا في اللغة وحدها، وثقافتهم ضحلة تبعث على الرثاء! وأنا حين أقول هذا لا أقوله انطلاقًا مما يسمى بـ"صراع الأجيال"؛ بل من واقع تجربتي الطويلة في التعليم. لا نكران في أن هناك طلابًا على مستوى راقٍ من الثقافة والإخلاص في الدرس والمقدرة على التعبير السلس الجميل، لكنهم قلة قليلة، كما كان الطلاب قبل ثلاثة عقود من الزمان أفضل منهم الآن إلى حد بعيد.

وهذا يقودنا للتنبيه إلى أن إتقان لغةٍ ما لا يمكن أن يقوم على فراغ، بل لا بد من ثقافةٍ واسعة عميقة تربط الإنسان باللغة التي يتعلَّمها، وتقيم بينه وبينها ألفة بل صداقة ومحبة، إن النحو ليس قواعد تحفظ والسلام، بل هو نظام ثقافة، ولا بد له من مادة واسعة وثرية يطبق عليها، ترى هل يمكن أن يتعلم شخصٌ ما فنَّ تنسيقِ الزهور مثلًا دون أن يكون بين يديه زهور كثيرة ومتنوعة يمارس عليها ذلك الفن؟ فكيف بالله يتحمس إنسان لإتقان لغة قد حرَم نفسه أطايبها، وأقام بين عينيه وبين مواطن الحسن والروعة فيها سدًّا كثيفًا؛ فلم يتعرف إلى إبداعات امرئ القيس، وعنترة، والحطيئة، وعمر بن أبي ربيعة، وابن قيس الرُّقيَّات، وأبي نواس، وبشار، وابن الرُّومي، والبحتري، وابن المعتز، والمتنبي، والبهاء زهير، وحافظ، وعلي محمود طه، والسياب، ومحمود درويش، ولا إلى روائع ابن المقفع، والجاحظ، وابن قتيبة، والطبري، وأبي الفرج الأصفهاني، وأبي حيان التوحيدي، وابن حزم، والغزالي، والحريري، والشدياق، والمنفلوطي، وشكيب أرسلان، وكرد علي، وجبران، والريحاني، والعقاد، والمازني، وطه حسين، وزكي مبارك، وغازي القصيبي ... إلخ ... إلخ؟ إن إنسانًا قد حرمه الله هذا المتعة العلوية لَفقيرٌ مسكين! ولعل القارئ لا يزال يذكر إزراء السيد أوزون بالأدب، الذي يعُدُّه عديم الجدوى، فهذا يفسر له الكثير!

لقد لاحظتُ على كثير من طلبتي في الماجستير والدكتوراه أنهم لا يهتمون بالقراءة لكبار الكتَّاب، بل يقتصرون في الأغلب الأعم على قراءة الرسائل التي كتبها زملاؤهم؛ أي إنهم يأخذون اللغة عن شبَّان أمثالهم لا يزالون في بداية الطريق ولم يكتسبوا الأسلوب بعدُ، فهم بمثابة الأعمى الذي يسترشد في الطريق بأعمى مثله، كما لاحظت أنهم لا يقرؤون في العادة كتابًا أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت