الصفحة 67 من 72

لأنه يستلزم السهر، وإرهاق العين والمخ، وتناول الدواء المرِّ، فضلًا عن أن نتائجه لا تظهر لساعتها، بل تحتاج وقتًا طويلًا، ثم لماذا نتعب أنفسنا، ونحن نستطيع أن نحصل بالاستيراد على كل ما نريد؟ حتى إن مدينة القاهرة على جلالة قدرها، فيما قرأت، قد استوردت أجانبَ لجمعِ قمامتها، ولا تزال القمامة رغم هذا تملأ جنباتها.

الطالب العربي عليه إذًا أن يُقبِلَ بجمع همته على العلم إن أراد تقدمًا، أما أن يبقى في مكانه لا يريد أن يبارحه ثم يشكو من صعوبة النحو، فذلك لن يقضي على المشكلة، وبالمناسبة فالذي يشكو من النحو يشكو عادةً من غيرِ النحو، والطالب الجادُّ لا يشكو من هذا ولا من ذاك، ولقد أتقن كثيرٌ منا لغتهم منذ وقت مبكر، وهم لا يمتازون عن غيرهم امتيازًا ملحوظًا في الذكاءِ، لكنه الحب والعمل والتعب والسهر والرغبة في الإنجاز والمعرفة بأن حلاوة الحياة لا تسلِّمُ نفسَها إلا لمن صبر على تجرُّع مرارتها طويلًا، هذه هي طبيعة الأمور، لكن قومي لا يعلمون، أو يعلمون ولكنهم يتجاهلون! قل لي بربك: لماذا أتقن أجدادنا لسانهم بدليل خلوِّ مؤلفاتهم من الأخطاء النَّحْوية والصرفية، على حين أن كثيرًا جدًّا من مؤلَّفاتنا الآن تعِجُّ بمظاهر العجز الفاضح عن السيطرة على قواعد اللغة؟ إنه الفرق بين الجِدِّ والهزل، بين العمل والكسل، بين الشعور بالعزة والإحساس بالهوان، بين الثقة بالنفس والارتياب اليائس فيها وفي قدراتها! أتكون لغتُنا ونحوُها أصعبَ من لغة الصينيين أو لغة اليابانيين مثلًا؟ إن نحوَ لغة الضاد لم يتغير في شيء، اللهم إلا أنه الآن أصبح يعرض بطريقة أسهل، فلماذا أتقنه على صعوبةِ طريقته الأقدمون، وكثُر منا العاجزون عن ذلك، رغم أن طريقة عرضه قد أصبحت أيسرَ وأكثر جاذبية؟

ومعروف أن الإنسان إذا لم تكن عنده رغبة حقيقية وإرادة لعمل الشيء، فإنه يجده صعبًا، ولا يُحسنه، مهما حاول المشرفون عليه أن يدفعوه إلى التعلم وبذل الجهد، ويَزيد الطِّين بِلَّةً أن التعليم الآن بعد أن صار مجانيًّا، وبعد أن أصبح وجاهة اجتماعية في بلاد العرب - أضحى يضمُّ مَن لديه استعداد، ومن ليس له من الاستعداد شيء يذكر، ولم يعُدْ مقصورًا على مَن يختاره بشوق ولهفة كما كان الحال قديمًا أيام أن كان لا يذهب إلى حلقة الدرس إلا مَن يحب العلم وعلى استعداد لدفع ضريبته، أما الآن فكلُّ الصبيان والشبَّان تقريبًا يذهبون إلى المدارس والجامعات، وأغلبيتهم الساحقة لا تدرك قيمة العلم، ولا تتذوق له معنى، إنما هو وقت فراغ يمضيه الواحد منهم مع لِدَاتِه، وإني لأذكر إلى الآن تعليق إحدى الطالبات البريطانيات ممن كنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت