الصفحة 66 من 72

المرجوَّة وعلى أوسع نطاق كما يحبون ونحبُّ إلا إذا توفرت لها بعض الشروط المهمة؛ فأولًا: كيف يُرجى لهذه الجهود الكريمة أن تحقق هدفها، والعرب بوجه عام، متعلمين منهم وغير متعلمين، لا يُحِلُّون لغتهم من نفوسهم وحياتهم المحل اللائق بها؟ إن الشعور القومي والدِّيني الرشيد غائبٌ أو على الأقل غائم عند الأغلبية منا، وهذا الشعور ينسحب أول ما ينسحب على اللغة، حتى إن العربي لا يعتزُّ بلغته، ولا يشعر أن مِن واجبه بل مما يشرِّفُه ويرفع ذِكره بين الناس أن يُحْكِمَها ويتقنها نطقًا وكتابةً وتذوقًا، بل إن العربية لتتعرض على ألسنة كثير من أبنائها لسيولٍ من التهكم، لا أظن لغة أخرى في العالم تتعرض ولا لعُشْرِ مِعشاره، وبخاصة في التمثيليات والمسرحيات وشرائط الخيالة، مما لا يعادله في قوة تأثيره أية وسيلة أخرى، وكثير من العرب يحرصون أشد الحرص على ترصيع كلامِهم بألفاظٍ وعبارات أجنبية، رغبةً منهم في التباهي بأنهم متحضِّرون، مع أنهم قد يكونون من أحطِّ طبقات المجتمع في الذوق والثقافة، لكنه الإحساس بالدُّونية والنقص!

ويرجع هذا، فيما يرجع إليه، إلى أن الإسلام ولغته والعرب الذين نشروهما في أيام عزتهم ومجدهم ورجولتهم وفحولتهم في أرجاء المعمورة يشكِّلون منذ وقت بعيد هدفًا دائمًا لدعاية شياطين الاستعمار والاستشراق والتبشير المسمومة، هؤلاء الشياطين الذين لم يتركوا في الغالب مكرمةً فينا أو في لغتنا ودِيننا إلا مسَخوها وقلَبوها مذمَّةً وعارًا، يُلحُّون على ذلك إلحاحًا لا يعرف كَلَلًا ولا مَلَلًا، ولا يتوقف لحظة من ليل أو نهار، ويصطنعون فيه كل الأساليب التي تخطر والتي لا تخطر على البال، ويتفننون فيها تفنُّنًا بغية كسرنا، بل تحطيمنا، حتى لا تقوم لنا بعد ذلك قائمة، فيسهُل عليهم مضغُنا وابتلاعُنا، إنها حرب ضَرُوس رهيبة، وهذه بعض نتائجها المحزنة! ومن أسرار نجاحهم في هذا الميدان أن العربَ في هذه الفترة من تاريخهم قومٌ متخلفون عن الغرب وأهله تخلُّفًا شنيعًا، وهذا التخلف يتخذه أولئك الشياطين حجة على أننا وكل ما يتعلق بنا في الحضيض الأسفل، وفي ذات الوقت نراهم يتخذون من الأساليب والأسباب ما هو كفيل باستمرار هذا التخلف، إنها لعبة معقدة، ولكن هكذا هي! ومن مظاهر تخلُّفنا أننا نميل إلى الكسل، ولا نتخذ لأي شيء عدته، كما ينبغي أن تتخذ العدة؛ إذ إن الجِدَّ بطبيعته متعِب ومزعج، والكسالى البُلَداء يكرهون أي شيء يتعبهم، ويحبون أن يظلوا في غطيطِهم لا يزعجهم مزعج، ولتكُنِ النتائجُ ما تكون، ولْتنصَبَّ عليهم المصائب من كلِّ حدَب وصَوْب كما يحلو لها، فلكل ذلك ربٌّ اسمه الكريم، وساعتها سيفرجها ربنا! أما"كيف"فليس هذا أوان التفكير في ذلك"الكيف"، بل أوان الاستغراق في"الكيف"الآخر، وعلى ذلك فأغلبنا لا يحبون العلم؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت