فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 43

وليس المقصود هنا شرح حالة التعليم في المدارس وتعليم الطلبة المستعدين وكيفية ذلك فإن لها محلًا غير هذا، وإنما المقصود والوسائل والطرق الأخرى التي يجب على أهل العلم أن يسلكوها في إيصال العلم إلى الناس على اختلاف طبقاتهم ورفع الجهل بحسب الإمكان، فمنها إلقاء العلوم في المساجد، وينبغي أن يلقى إليهم من العلوم ما يكون فهمه أقرب إلى أذهانهم، وأن يكون أهم الأشياء وأنفعها، وتكون بعبارات مناسبة لأذهان السامعين، وأن يلقى في كل موسم ومناسبة ما يليق ويتعلق به فإن فهم الأشياء الحاضرة أقرب وأشوق للأذهان من أن تكون بغير وقتها. وكذلك ينبغي أن يفهموا تدخيل الصور والتفاصيل الموجودة التي يعرفونها ويعرفون وقوعها، يبين لهم موضعها ومحلها من العلم. وهل هي محبوبة للشارع أو مكروهة، وما الطريق إلى تحصيل المحبوب وإلى دفع المكروه أو تخفيفه؛ وأن تطبق الأمور الواقعية على القواعد الشرعية حتى يتم فهمها. فإن أكثر السامعين إذا ألقيت عليهم المسائل الشرعية مجردة عن بيان الأمور الواقعة لا يدرون عن دخولها أو خروجها.

وكذلك ينبغي إلقاء العلوم النافعة في النوادي الكبار والصغار وفي المجامع التي يجتمع فيها أهل العلم بالعوام؛ إما بإلقاء أمور تخف عليهم ولا يستثقلونها إذا رأى أذهانهم قابلة وقلوبهم مصغية، وأما إذا حصل مناسبة عند المخاطبات بين الناس فإنهم يخوضون في كل حديث وكل موضوع دنيوي، وقل موضوع منها إلا ويجد العالم البصير موضعا ومحلا لإلقاء ولو بعض المسائل، فبيان القليل خير من الترك بالكلية، والعالم الحاذق يتمكن أن يجري مع العوام في أحاديثهم العادية، ويلقى ما شاء الله من المسائل التي تنفعهم في أثناء تلك الأحاديث والناصح لنفسه ولغيره يحصل في هذا خيرًا كثير.

ومن ذلك أيضًا النصائح الخاصة بالأشخاص باختلاف رتبهم، من رآه مقصرًا في واجب من واجبات الله وحقوق الخلق، نصحه سرا وعلمه الواجب وكيفية سلوكه، والفوائد والثمرات المترتبة على فعله. ومن رآه متجرئًا على محرم متعمدًا أو جاهلًا نصحه ووعظه وبين له الوجهة التي يجب عليه سلوكها في ترك ذلك المحرم وما لتاركه من الخير والثواب وما على فاعله من الوزر والعقاب، ولا يحقر صغيرًا ولا كبيرًا ولا شريفًا ولا وضيعًا، فكم حصل بهذه الطريقة من تعليم للجاهلين وإرشاد للغافلين، وتوجيه للخير للمعرضين أو المعارضين.

وأولى من على العالم تعليمه ونصحه وإرشاده بكل وسيلة مناسبة وطريقة ناجحة: الأهل والأولاد والأقارب والأصحاب والمعاملون والخلطاء فكما أن حقوق هؤلاء مقدمة على غيرهم، فأحق الحقوق وأولاها التعليم والنصح، والإرشاد التوجيه للأمور النافعة والتحذير من الأمور الضارة ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إذا وفق من عنده علم لهذه الأمور التي ذكرناها بحسب اقتداره لم يزل يغنم من الخيرات والثواب من الله كلما تسلسل نفعه وعمل بإرشاده ثم ما ترتب على هذه الأعمال من الدعوات المستجابات ممن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت