فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 43

ولا قوة إلا بالله)، وكان مالك رحمه الله يقول: (ما شاء الله لا قوة إلا بالله العلي العظيم) ، وكان بعضهم يقول: {رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي} [1] ، وكان بعضهم يقول: (اللهم وفقني واهدني وسددني واجمع لي بين الصواب والثواب وأعذني من الخطأ والحرمان) ، وكان بعضهم يقرأ الفاتحة، قال العلامة ابن القيم رحمه الله: (جربنا ذلك فرأيناه من أقوى أسباب الإصابة) ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي - رضي الله عنه: «قل: اللهم إني أسألك الهدى والسداد» [2] ، والمعول في ذلك كله على حسن النية، وخلوص المقصد، وصدق التوجه في الاستمداد من المعلم الأول معلم الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فإنه لا يرد من صدق في التوجه إليه لتبليغ دينه وإرشاد عبيده ونصيحتهم والتخلص من القول عليه بلا علم.

ومما ينبغي لمن عين للقضاء أن يعرض نفسه على الأمور المتقدم ذكرها، ويحاسبها، ويبحث معها بحثًا دقيقًا هل هذه الخصال موجودة فيه أم لا؟ وهل هو أهل لذلك أم لا؟ وقد كتب سلمان - رضي الله عنه - إلى أبي الدرداء لما ولي القضاء وقال: بلغني أنك جعلت طبيبا فإن كنت تبرئ فنعما، وإن كنت متطببا فاحذر أن تقتل إنسانا فتدخل النار، فكان أبو الدرداء - رضي الله عنه - إذا قضى بين اثنين، وأدبرا عنه نظر إليهما وقال: متطبب والله ارجعا أعيد قضيتكما، فهذه حال أهل المعرفة بالله، كما أنه ينبغي للجهات المختصة المسئولين أن لا يعينوا إلا من يصلح وتكون فيه كفاءة لذلك وأخلاق دينية على حسب الطاقة، لأن الولاية أمانة، وإذا كان تقديم الرجل في الجماعة وفيهم من هو أفضل منه يوجب أن لا يزالوا في سفال [3] فكيف بالقاضي الذي يقتدي به فئات من الناس، فيجب عليهم أن يولوا أفضل من يجدوا علمًا وورعًا، لأنهم ناظرون للمسلمين، فيجب أن يختاروا الأصلح لهم، واختيار الأفضل علما من لازم القضاء، لأنه إنما يمكنه القضاء بين المترافعين بالعلم، لأن القضاء بين المترافعين بالعلم لأن القضاء بالشيء فرع العلم به، والأفضل أولى من المفضول؛ لأنه أثبت وأمكن، وكذا كل من كان ورعه أكثر كان سكون النفس فيما يحكم به أعظم، وكان من ترك التحري والميل في جانبه أبعد، قال الإمام أحمد رحمه الله: لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه حتى يكون فيه خمس خصال: أولها: أن يكون له نية، فإن لم يكن له نية لم يكن له نور ولا على كلامه نور، الثانية: أن يكون له حلم ووقار وسكينة، الثالثة: أن يكون قويًّا على ما هو فيه وعلى معرفته، الرابعة: الكفاية، وإلا مضغه الناس، فإنه إن لم يكن له كفاية احتاج إلى الناس وإلى الأخذ مما في أيديهم، الخامسة: معرفة الناس [4] .

(1) سورة طه: آية 25 - 27.

(2) رواه مسلم.

(3) أي هبوط يشير إلى حديث ضعيف خرجه العقيلي وقال حديث غير محفوظ [انظر شرح الجامع الصغير 6/ 88] .

(4) انظر"إعلام الموقعين"لابن القيم 4/ 199.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت