فهرس الكتاب
3 -الإمام الشافعي:
قال الشافعي رحمه الله: ذَهَبَ الناس من تأويل القرآن والأحاديث أو مَنْ ذَهَب منهم إلى أمور اختلفوا فيها فتباينوا فيها تباينًا شديدًا، واستحل فيها بعضهم من بعض ما تطول حكايته، وكان ذلك منهم متقادمًا منه ما كان في عهد السلَف وبعدهم إلى اليوم، فلم نعلمْ أحَدًا مِنْ سلَف هذه الأمة يقتدى به ولا من التابعين بعدهم ردَّ شهادة أحد بتأويل، وإن خطأه وضلله ورآه استحل فيه ما حرم عليه ولا رد شهادة أحد بشيء منَ التأويل كان له وجْه يحتمله، وإن بلغ فيه استحلال الدم والمال أو المفرط من القول، وذلك أنا وجدنا الدماء أعظم ما يعصى الله ? بها بعد الشِّرك، ووجدنا متأولين يستحلونها بوجوه، وقد رغب لهم نظراؤهم عنها، وخالفوهم فيها، ولم يردوا شهادتهم بما رأوا من خلافهم، فكل مستحل بتأويل من قول أو غيره فشهادته ماضية لا ترد من خطأ في تأويله، وذلك أنه قد يستحل مَن خالفه الخطأ، إلَّا أن يكون منهم من يعرف باستحلال شهادة الزُّور على الرَّجل؛ لأنَّه يراه حلال الدَّم أو حلال المال، فتُرَد شهادتُه بالزُّور، أو يكون منهم مَن يستحل أو يرى الشهادة للرجل إذا وثق به، فيحلف له على حقه، ويشهد له بالبت ولم يحضره ولَم يسمعه، فتُرد شهادته مِن قبل استحلاله الشهادة بالزُّور، أو يكون منهم مَن يباين الرَّجل المخالف له مباينة العداوة له، فترد شهادته من جهة العداوة، فأي هذا كان فيهم أو في غيرهم ممن لا ينسب إلى هوًى رددتْ شهادَتُه، وأيهم سلم من هذا أجزت شهادته وشهادة مَن يرى الكذِب شرْكًا بالله أو معصيةً له يوجب عليها النار أوْلَى أنْ تطيبَ النَّفس علَيْها مِن شهادة مَن يخفِّف المأثم عليها.
وكذلك إذا كانوا مما يشتم قومًا على وجْه تأويل في شتمهم لا على وجْهِ العداوة، وذلك أنَّا إذا أجَزْنا شهادتهم على استِحلال الدِّماء، كانتْ شهادتهم بشتْم الرِّجال أوْلى ألَّا تُرَد؛ لأنه متأول في الوجهين، والشَّتْم أخفُّ منَ القتْل، فأما من يشتم على العصبية أو العداوة لنفسه أو على ادِّعائه أن يكون مشتومًا مكافئًا بالشتْم، فهذه العداوة لنفْسه، وكلُّ هؤلاء تُرَدُّ شهادته عمن شتمه على العداوة [1] .
قال الشافعي رحمه الله:"كل مَن تأوَّل فأتى شيئًا مستحِلًّا كان فيه حد، أو لَم يكن، لَم ترد شهادته بذلك، ألا ترى أن ممن حمل عنه الدين ونصب علمًا في البلدان من قد استحل المتعة، ومنهم من يستحل الدينار بعشرة دنانير يدًا بيد، ومنهم مَن قد تأوَّل، فاستحل سفك الدماء، ومنهم من تأول فشرب كل مسكر غير الخمر، ومنهم مَن أحَلَّ إتيان النساء فى"
(1) "الأم"؛ للشافعي (7/ 509 و 510) .