الصفحة 28 من 29

وطريق الجمع بين هذه الآثار من وجوه:

الأول: أن يُحمل النهي عن لعب الشطرنج الذي اشتمل على تماثيلَ ظاهرةِ الملامح - وهو الشأن فيه في العصور السابقة - وهو ظاهرٌ في قول علي ا: «ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟!» ، ويؤيِّده أن سعيد بن جبير كان يلعب بها استدبارًا، ولا يعطيها وجهه.

الثاني: أن يحمل نهيهم على مظِنَّة الانشغال بلعبهِ عن الواجبات؛ لما فيه من استغراق الفكر، ونسيان الوقت؛ فيكون من اللهو الباطل غير المباح، ويحمل عليه قول الزهري، وسعيد بن المسيب، ومَن قال إنه من الباطل.

الثالث: أن يحمل النهي على لعبهِ إذا كان على عِوض، وهو ما كان منتشرًا في زمانهم.

وأما قولهم: إنه من المَيْسِر المذكور في الآية، فغيرُ مُسَلَّمٍ، فقد قال الشافعي ا:"إذا خلا الشطرنج عن الرهان، واللسان عن الطغيان، والصلاة عن النسيان، لم يكن حرامًا، وهو خارج عن الميسر؛ لأن الميسر ما يوجب دفع المال، أو أخذ مال، وهذا ليس كذلك، فلا يكون قمارًا، ولا ميسرًا" [1] .

وأما ما نُقل عن القاسم بن محمد، عندما سُئل عن الشطرنج، فقال: «كل ما ألهى عن ذكر الله، فهو من الميسر» ، فليس فيه نص على أنه من الميسر، وقوله عام، يشمل الشطرنجَ وغيره إذا ألهى عن ذكر الله؛ بل إن مفهومه يدل على أنه إذا لم يكن فيه صدٌّ عن ذكر الله، فليس من الميسر.

وقول مالك: «الميسر ميسران: ميسر اللهو، فمنه: النرد، والشطرنج، والملاهي كلها، وميسر القمار: وهو ما يتخاطر الناس عليه» [2] - يدل على سَعة مفهوم الميسر عنده، فشمل ما حرم باتفاق كالقمار، وما جاء فيه نص كالنرد، وما لم يثبت فيه نص كالشطرنج، وسائر الملاهي.

فأما ما حرم باتفاق، وما ورد فيه نص، فمفهوم، ويبقى الإشكال فيما لم يَرِد فيه نص، فظاهر كلامه يفضي إلى تحريم كل لعبة على أنها من الميسر، ولم يقُل به أحد، فاقتضى ذلك تقييدَ كلامه بما إذا ترتَّب على هذه اللعبةِ، أو هذا النوعِ من الملاهي صدٌّ عن ذكر الله أو الصلاة، أو ترتب العداوة والبغضاء عليها، وهذا القيد ظاهر من قوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ

(1) "تفسير الفخر الرازي"1/ 888،"تفسير الخازن"1/ 212،"نظم الدرر في تناسب الآيات والسور"1/ 409.

(2) "الجامع لأحكام القرآن" (3/ 52) ، و"البحر المحيط" (2/ 166) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت