الصفحة 20 من 67

على دينه فيزور هذا ويدعو ذاك ويكلم هؤلاء ويقبل هدية هذا ... الخ، فكان معلما يسير بين الناس، ويمشي معهم في الأسواق، يبيع ويشتري ويقترب من الناس، ولم يكن أبدا بمعزل عنهم، حتى أثار ذلك استعجاب قريش"وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا" {الفرقان/7} ، بل إنه كان قريبا منهم وبخاصة أصحابه حتى بعد موتهم، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مات إنسان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده فمات بالليل فدفنوه ليلا فلما أصبح أخبروه، فقال (ما منعكم أن تعلموني) ، قالوا كان الليل فكرهنا وكانت ظلمة أن نشق عليك فأتى قبره فصلى عليه [1] .

وفي قوله تعالى (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) [2] كناية عن الاقتراب الشديد، قَالَ مُجَاهِدٌ {قَابَ قَوْسَيْنِ} حَيْثُ الْوَتَرُ مِنْ الْقَوْسِ [3] ، وقد وصف ذلك القرب النبي صلى الله عليه وسلم فقال (فغطني حتى بلغ مني الجهد) ، قالت عائشة رضي الله عنها"فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ اقْرَأْ قَالَ مَا أَنَا بِقَارِئٍ قَالَ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ فَقُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} [4] ، وهو أمر شديد على النبي صلى الله عليه وسلم، ففي لحظة تغطية الأمين جبريل للنبي محمد صلى الله عليه وسلم -حيث لا يفصل بينهما شيء ولا يحجز عنهما شيء - يكون تبليغ الوحي صافيا لا يكدره شيء، فعن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول(قالت عائشة رضي الله عنها ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرق) [5] ، قال النووي في الشرح"أما الصلصلة فبفتح الصادين وهي الصوت المتدارك قال الخطابي معناه أنه صوت متدارك يسمعه ولا يثبته أول ما يقرع سمعه حتى يفهمه من بعد ذلك قال العلماء والحكمة في ذلك أن يتفرغ سمعه صلى الله عليه و سلم ولا يبقى فيه ولا في قلبه مكان لغير صوت الملك ومعنى"وعيت"جمعت وفهمت وحفظت وأما"يَفْصِم"أي يقلع وينجلي ما يتغشاني منه، .. ومعنى الحديث أن الملك يفارق على أن يعود ولا يفارقه مفارقة قاطع لا يعود" [6] ."

(1) رواه البخاري ج 1 ص 421 رقم 1190

(2) قال النووي: قال الحسن وقتادة ثم دنا جبريل بعد استوائه في الأفق الأعلى من الأرض فنزل إلى النبي صلى - صلى الله عليه وسلم - (فكان قاب قوسين أو أدني) القاب ما بين القبضة والسية؟؟ ولكل قوس قابان والقاب في اللغة أيضا القدر وهذا هو المراد بالآية عند جميع المفسرين والمراد القوس التي يرمي عنها وهي القوس العربية وخصت بالذكر على عادتهم

(3) في صحيح البخاري ج 15 ص 97

(4) رواه البخاري ج 1 ص 5 رقم 3

(5) رواه البخاري ج 1 ص 4 رقم 2

(6) شرح النووي على مسلم ج 15 ص 88

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت