وفي قوله تعالى (وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى) بيان لمكانة المعلم جبريل عليه السلام حال رؤية النبي صلى الله عليه وسلم له في الأرض المرة الأولى في بداية الوحي، ونظير ذلك قوله تعالى (وَلَقَدْ رَأَىهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ) (التكوير/23) ، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ - أي انقطاع - الْوَحْيِ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: (فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَئِثْتُ مِنْهُ رُعْبًا فَرَجَعْتُ، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي، فَدَثَّرُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:(يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - إلى - والرجز فَاهْجُر) [1] .
وفي ذلك إشارة إلى ضرورة أن يكون المعلم في مكانة عالية عن المتعلم، فمن السنة أن يرتفع الخطيب على منبر وهو يخطب المصلين في صلاة الجمعة، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه فإن لي غلاما نجارا، قال (إن شئت) ، قال فعملت له المنبر فلما كان يوم الجمعة قعد النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر الذي صنع فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت تنشق فنزل النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخذها فضمها إليه فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت حتى استقرت قال (بكت على ما كانت تسمع من الذكر) [2] ، كما صعد النبي صلى الله عليه وسلم في أول خطبة خطبها لقومه جبل الصفا وناداهم بأعلى صوته، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت {وأنذر عشيرتك الأقربين} صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي يا بني فهر يا بني عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو [3] ، وفي ذلك دلالة على ضرورة اهتمام أهل الدعوة بالمنابر التي يمكنهم من خلالها أن يلفتوا انتباه الناس لدعوة الإسلام، ويدعونهم للاجتماع على الحق وترك الباطل.
مع مراعاة ألا يكون همهم الشاغل تبوء المناصب والمنابر، واعتبار أن ذلك شرطا لصحة الدعوة، فذلك ليس بشرط ولا بواجب، وإنما هو مستحب في أمور التعليم والموعظة، وهذا لا يكون إلا لطلاب العلم المتلقين عن رغبة وطيب قلب، أما غيرهم من العازفين عن العلم الغارقين في الملذات فلابد وأن يخاطبهم الدعاة إلى الله تعالى على كل حال، وإلا لما أقبل موسى عليه السلام على فرعون يخاطبه، وفي ذلك توطئة للدلالة التربوية المستفادة من قوله تعالى (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى) .
وفي قوله تعالى (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى) دلالة على وجوب اقتراب المعلم ونزوله عن مكانته لطلابه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي) [4] ، فلقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على أن يقترب ممن حوله ولو لم يكونوا
(1) رواه البخاري (4641) ومسلم (161)
(2) رواه البخاري ج 2 ص 738 رقم 1989
(3) رواه البخاري ج 4 ص 1787 رقم 4492
(4) رواه مسلم ج 4 ص 1790 رقم 2285