الصفحة 18 من 67

الملك والمسئولية والقيادة يقول سبحانه (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) .

وفي قوله تعالى (ذُو مِرَّةٍ) كناية عن الحكمة والخبرة، فالمِرَّةُ لغة: القوّة وشدة العقل [1] ،قَالَ مُجَاهِدٌ {ذُو مِرَّةٍ} ذُو قُوَّةٍ [2] ، جاء في لسان العرب (إِنه لذو مِرَّة أَي عقل وأَصالة وإِحْكامٍ) [3] ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي) [4] ، قيل في الشرح: القوي على الكسب أي صحيح البدن تام الخلقة [5] ، ولا شك أن قوة المعلم تجذب طالب العلم إليه، وهو ما عبر عنه أحدُ السلفِ فقال: (مَثَلُ الْعُلَمَاءِ مَثَلُ النُّجُومِ الَّتِي يُهْتَدَى بِهَا، وَالأَعْلاَمِ الَّتِي يُقْتَدَى بِهَا، إذَا تَغَيَّبَتْ عَنْهُمْ تَحَيَّرُوا، وَإِذَا تَرَكُوهَا ضَلُّوا) [6] .

وفي قوله تعالى (فَاسْتَوَى) كناية عن التجهز لإلقاء العلم على الطلاب والتهيئ لذلك، وفي ذلك دلالة على ضرورة أن يكون الملقي في صورة يقتدي بها المتلقي، والاستواء بهذا المعنى يقتضى التجمل والتزين بالبهاء، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله جميل يحب الجمال) [7] ، وتعدية هذا الوصف للأمين جبريل يفيد بأن الله تعالى قد خلقه في أحسن صورة وأكمل بهاء، ولقد كان جبريل عليه السلام يأتي النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة في صورة رجل يجلس معه ليعلمهم دينهم، يقول عمر بن الخطاب وصفا إياه: (بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد) ، فلما انصرف أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم) [8] ، فإن كان المعلم غير متهيء ولم يستو، فلعل المتلقي يستنكف أن يواصل معه وقد علم نقصه وحاجته وافتقاره لما يفتقر هو إليه كذلك، فعن عطاء بن يسار قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فدخل رجل ثائر الرأس واللحية فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده أن اخرج كأنه يعني إصلاح شعر رأسه ولحيته ففعل الرجل ثم رجع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أليس هذا خيرا من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان [9] .

(1) لسان العرب ج 5 ص 165

(2) في صحيح البخاري ج 15 ص 97

(3) لسان العرب ج 5 ص 165

(4) رواه أبو داود في سننه ج 1 ص 514 رقم 1634 وصححه الألباني

(5) عون المعبود في شرح سنن أبي داود حديث رقم 1634

(6) مصنف ابن أبي شيبة ج 12 ص 496 رقم 36326 حديث أبي قلابة

(7) رواه مسلم ج 1 ص 93 رقم 91

(8) رواه مسلم ج 1 ص 36 رقم 8

(9) رواه مالك ج 2 ص 949 رقم 1702 وصححه الألباني ج 1 ص 891 رقم 493 السلسلة الصحيحة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت