الصفحة 22 من 67

فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم بشر مكلف كسائر البشر، ولو كان ملكا لما أمكن للبشر أن يقتدوا به، لاختلاف طبيعة البشر عن الملائكة، ولو لم يرسل الله إليه ملكا ليتلقى الوحى مباشرة من الله لخرج محمد صلى الله عليه وسلم من دائرة التكليف، وحين يخرج من هذه الدائرة يفقد مكانته كقدوة للبشر، فالبشر مكلفون، والذي يخرج من دائرة الإبتلاء والتكليف ليس بصالح لأن يقتدي به البشر، لذلك كانت حكمة الله تعالى أن يكون النبي محمد بشرا مبتلا ومكلفا لا ملكا مقربا حتى يظل قدوة يتأسى به الناس فلا يتعللون بتعذر الاقتداء به، قال سبحانه (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) (الأنعام/8) .

وفي قوله تعالى (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) تأكيد لرؤية النبي محمد صلى الله عليه و سلم معلمه جبريل عليه السلام، فهي رؤيا فؤادية أصدق من الرؤيا بالعين المجردة، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} ، {وَلَقَدْ رَأَىهُ نَزْلَةً أُخْرَى} قَالَ رَأَىهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ" [1] ،"ذلك أن العين قد ترى شيئًا فيكذبها القلب" [2] ، ولاحاجة لإحاطة العين وقد أدرك القلب ووعى المطلوب والمقصود، وإن جاز للعين أن تدرك ملكا فيجتمعا حق اليقين وعين اليقين، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} قَالَ رَأَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَام لَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ [3] ، والعلة من هذه الرؤية تلقين النبي صلى الله عليه وسلم الحجة للرد على قومه، فحين يكلمهم عن الله وأمور الغيب أول مرة، فمن المنطقي أن يسألونه من أول وهلة، وكيف علمت عن الله؟ أي ما هي وسيلة اتصالك بالله، بمعنى كيف تلقيت القرآن؟ أبطريق مباشر أم غير مباشر؟ فالإجابة إذن كما ورد في قوله تعالى (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى / 51] ، فمعنى ذلك أن رسولا من الله أرسله إليه ليكلمه فيما أوحي إليه من ربه، وقد نقل عنه ما وعاه من الوحي، هنا يبدأ التكذيب، فيقولون إذن أنت لم تسمع من الله مباشرة، ولم تر الله، فمن أين أتيت بكلام منسوب إلى الله بزعم أنه قد جاءك أحد الملائكة؟ أوليس من الممكن أن يكون الذي أرسل إليك شيطان، وليس بملك؟ هنا تأت فائدة الرؤيا القلبية والتي هي آكد من العين، فيستيقن محمد صلى الله عليه وسلم أن الذي رآه ليس بشيطان، وإنه هو ملك مرسل من الله تعالى بالوحي، فإذا وقر في قلبه هذا اليقين فإنه سوف يقدر أن يرد على قومه بذاك القلب الموقن بالله تعالى، فيكون الرد النابع من القلب أبلغ في التأثير من الحجج المنطقية والعقلية، فطرق علم الأنبياء عن الله تعالى تتحقق بمعرفة الفؤاد، ولا حاجة لِّلِّمس أو للسمع أو للبصر أو لأي حاسة من حواسنا المعروفة لدينا في اكتساب العلم من الله تعالى طالما اتصل الفؤاد بالله تعالى، وهذا هو مقصد الشريعة أن تجعل القلوب تهوي إليه سبحانه، فلا عبرة بانسكاب الجوارح على الله والقلب منصرف عنه، قال الله عز وجل(يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) {الشعراء 88/ 89} ، ولذلك قويت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم حتى انتصرت وعمت أرجاء الأرض، لأنها نبعت من يقين القلب بالله."

(1) رواه مسلم ج 1 ص 412 رقم 258

(2) تفسير القرآن للعثيمين ج 11 ص 4

(3) رواه مسلم ج 1 ص 407 رقم 254

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت