أما غير الأنبياء فلا غرو بأن يكشف الله تعالى لبعض عباده شيئا من العلم، فيكون ذلك من باب الكرامات لأولياء الله تعالى الصالحين، من ذلك ما كان من عمر حين حذر جيش المسلمين ولم يكن عنده، فقال: يا سارية الجبل، فأسمع الله سارية وجيشه أجمعين، صوت عمر فلجئوا إلى الجبل وقالوا: هذا صوت أمير المؤمنين، فنجوا وانتصروا [1] ، فعن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان إذا انصرف من صلاة الغداة يقول هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا ويقول ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة [2] ، وعنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ"إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ تَكْذِبُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ وَمَا كَانَ مِنْ النُّبُوَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَكْذِبُ" [3] ، وعَنْه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ مِنْهَا أَهَاوِيلُ مِنْ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ بِهَا ابْنَ آدَمَ وَمِنْهَا مَا يَهُمُّ بِهِ الرَّجُلُ فِي يَقَظَتِهِ فَيَرَاهُ فِي مَنَامِهِ وَمِنْهَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ" [4] ."
لكن هل يمكن أن تتعدى الرؤية ليكون المقصود بها رؤية الله تعالى، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي ذَرٍّ لَوْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَسَأَلْتُهُ فَقَالَ عَنْ أَيِّ شَيْءٍ كُنْتَ تَسْأَلُهُ قَالَ كُنْتُ أَسْأَلُهُ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ قَالَ أَبُو ذَرٍّ قَدْ سَأَلْتُ فَقَالَ رَأَيْتُ نُورًا [5] .وقد ثبت في السنة أن النبي صلى الله عليه رأى ربه بقلبه قال"رأيت ربي في أحسن صورة" [6] ، جاء في الشرح (هذا الحديث في المنام، وأما اليقظة فلم ير النبي صلى الله عليه وسلم ربه) [7] ، فالله شاء ألا يرى في الدنيا؛ لأن رؤية الله أكمل نعيم في الجنة، ولو حصلت الرؤية في الدنيا لكان نعيم الجنة جاء إلى الدنيا، وهذا ممتنع لأنها دار ابتلاء لا جزاء، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال"عرضت علي الجنة فذهبت أتناول منها قطفا أريكموه فحيل بيني وبينه" [8] ، وفي رواية"فقربت مني الجنة حتى لقد تناولت منها قطفا قصرت يدي عنه" [9] ، قيل
(1) طبقات الشافعية 2/ 326
(2) الموطأ ج 2 ص 956 رقم 1714، وأبو داود في سننه ج 13 ص 205 رقم 4363 والنسائي والبيهقي وغيرهم، وصححه الألباني: السلسلة الصحيحة ج 1 ص 472 رقم 473
(3) رواه البخاري ج 21 ص 386 رقم 6499
(4) رواه ابن ماجة في سننه ج 11 ص 383 رقم 3897 وصححه الألباني: السلسلة الصحيحة ج 4 ص 369 رقم 1870
(5) رواه مسلم ج 1 ص 417 رقم 262
(6) صححه الألباني: السلسلة الصحيحة ج 8 ص 176 رقم 3169
(7) عبد المحسن العباد: شرح سنن أبي داود ج 22 ص 336
(8) روه أبو يعلى في مسنده ج 2 ص 380 رقم 1147 ورواه أحمد في مسنده ج 3 ص 352 رقم 14842، وصححه الألباني: انظر صحيح الترغيب والترهيب ج 3 ص 264 رقم 3731
(9) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج 3 ص 324 رقم 6107، وصححه الألباني: الجامع الصغير ج 1 ص 417 رقم 4163