الصفحة 25 من 67

الاستنباط على ما ذكرته من ظاهر الآية وقد خالفها غيرها من الصحابة، والصحابي إذا قال قولا وخالفه غيره منهم لم يكن ذلك القول حجة اتفاقا والمراد بالإدراك في الآية الإحاطة وذلك لا ينافي الرؤية [1] ، ولم تحك عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرها أنه لم ير ربه [2] ، بيد أن عائشة قالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض [3] ، وبذلك أغلقت السيدة عائشة الطريق على من زعم أن المقصود بالرؤية في هذه الآيات العينية.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد اتفق أئمة المسلمين على أن أحدا من المؤمنين لا يرى الله بعينه في الدنيا ولم يتنازعوا إلا في النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، مع أن جماهير الأئمة على أنه لم يَرَه بعينه في الدنيا، وعلى هذا دلّت الآثار الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وأئمة المسلمين، ولم يثبت عن ابن عباس ولا عن الإمام أحمد وأمثالهما أنهم قالوا إن محمدا رأى ربه بعينه، بل الثابت عنهم إما إطلاق الرؤية، وإما تقييدها بالفؤاد، وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة أنه رآه بعينه، وقوله:"أتاني البارحة ربى في أحسن صورة"الحديث الذي رواه الترمذي وغيره إنما كان بالمدينة في المنام، هكذا جاء مفسَّرا، ... وقال: وأما الرؤية فالذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: رأى محمد ربه بفؤاده مرتين، وعائشة أنكرت الرؤية، فمن الناس من جمع بينهما فقال: عائشة أنكرت رؤية العين وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد، والألفاظ الثابتة عن ابن عباس هي مطلقة أو مقيّدة بالفؤاد تارة يقول: رأى محمد ربه، وتارة يقول: رآه محمد، ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح بأنه رآه بعينه، وكذلك الإمام أحمد تارة يطلق الرؤية، وتارة يقول رآه بفؤاده، ولم يقل أحد أنه سمع أحمد يقول: رآه بعينه، لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق ففهموا منه رؤية العين، كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهم منه رؤية العين، وليس في الأدلة ما يقتضى أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك بل النصوص الصحيحة على نفيه [4] .

والعلة من عدم تمكن النبي صلى الله عليه وسلم من رؤية ربه في دار الدنيا أنها دار ابتلاء، وبتلك الرؤية يكون قد صار إلى دار الجزاء، فليس هناك أنعم من أن يرى المرء ربه، ومن ذلك يمكن القول بأن الرؤية الحقيقية ثابتة لجبريل عليه السلام، أما الرؤية المجازية فجائزة في الدنيا في حق الأنبياء، وأما أتباعهم فيكفي أن يستيقن القلب أن الله يراه، وهو ما أجاب عنه النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله جبريل عن معنى"الإحسان"، فقال"أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ"

(1) فتح الباري في شرح صحيح البخاري الحديث رقم 4574

(2) قاله بن خزيمة في كتاب التوحيد

(3) رواه مسلم ج 1 ص 159 رقم 177

(4) مجموع الفتاوى ج: 6 ص: 509 - 510.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت