الصفحة 26 من 67

تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ" [1] ، فمشيئة الله تعالى أن يخاطب البشر بشر مثلهم، حتى في حديث أركان الإسلام والذي تجسد فيه جبريل عليه السلام في صورة بشر، اتخذ جبريل عليه السلام دور السائل ليكون محمد صلى الله عليه وسلم هو المجيب والمعلم للبشرية كلها."

وفي قوله تعالى (أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى) استنكار لمماراة المشركين النبي صلى الله عليه وسلم لما دعاهم إلى الله أول مرة، فلم يصدقوه رغم أنه كان يلقب عندهم قبل البعثة بالصادق الأمين، فعن الزهري أنه قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الاسلام سرا وجهرا فاستجاب لله من شاء من أحداث الرجال وضعفاء الناس حتى كثر من آمن به وكفار قريش غير منكرين لما يقول، فكان إذا مر عليهم في مجالسهم يشيرون إليه أنه غلام بني عبد المطلب ليكلم من السماء فكان ذلك حتى عاب آلهتهم التي يعبدونها وذكر هلاك آبائهم الذين ماتوا على الكفر فشفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك وعادوه [2] ، وكانوا يسخرون منه ويسمون جبريل عليه السلام شيطانه، فعن جُنْدُبَ بْنَ سُفْيَانَ يَقُولُ اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ (يَا مُحَمَّدُ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ) [3] ، فلما بدأ بالجهر بالدعوة كذبوه واشتدوا عليه في التكذيب، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا ذات يوم فقال (يا صباحاه) ، فاجتمعت إليه قريش قالوا ما لك؟ قال (أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصبحكم أو يمسيكم أما كنتم تصدقونني) ، قالوا بلى قال (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد) فقال أبو لهب تبا لك ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله تبت يدا أبي لهب) [4] ، فلما أكرمه الله تعالى برحلة المعراج طارت عقولهم واشتدوا عليه في الإنكار والمجادلة، ولم يكن تحديث النبي صلى الله عليه وسلم قومه عن رحلة الإسراء والمعراج بما لا تبلغه عقولهم، فعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً [5] ، وقَالَ عَلِيٌّ حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [6] ، فلم يزد حديثه عما رأته عينيه ووعاه قلبه في رحلة المعراج من وصف الجنة والنار، وما سيؤول إليه مصير الناس يوم القيامة، فهو يحدثهم بالغيب قبل أن يراه وواجب عليهم أن يصدقوه، لما لا وقد صدقوه من قبل ولقبوه بالصادق الأمين، ووضعوا أموالهم عنده أمانة ليربيها لهم في التجارة، فكيف إذا حدثهم بما رآه أليس من باب أولى واجب عليه أن يصدقوه، ولو كان الأمر غير لكان معهم عذرهم، لكن الله تعالى يستنكر عليهم ذلك.

(1) رواه البخاري ج 1 ص 87 رقم 48

(2) سيرة ابن هشام ج 1 ص 109

(3) رواه مسلم ج 9 ص 281 رقم 3355

(4) رواه البخاري ج 4 ص 1804 رقم 4523

(5) رواه مسلم ج 1 ص 21

(6) رواه البخاري ج 1 ص 217 رقم 124

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت