وقد أراد أن الله تعالى بهذه الرحلة أن يبلغ يقين النبي صلى الله عليه وسلم مرحلة حق اليقين، ليكون حديثه قومه عن الآخرة عن تجربة ومشاهدة ليظل وكأنه رأي العين، يقول الشيخ ابن عثيمين"تمارونه أي: تجادلونه بقصد الغلبة، لهذا عداها بـ (على) دون (في) ، فلم يقل: (أفتمارونه في ما يرى) بل قال {على ما يرى} ، إشارة إلى أن الفعل ضمن معنى المغالبة، أي أفتجادلونه تريدون أن تغلبوه على ما يرى، أي: على شيء رآه، ولكنه عبر عن الماضي بالمضارع إشارة إلى استحضار هذا الشيء، وأنه عليه الصلاة والسلام حين أخبر به كأنما يراه الآن" [1] .
وفي قوله تعالى (وَلَقَدْ رَأَىَهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى) تأكيد على رؤية النبي صلى الله عليه وسلم للملك جبريل أمين الوحي في صورته التي خلقه الله عليها دون تمثيل أو تشبيه، قالت عائشة رضي الله عنها (وَلَكِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَام فِي صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ) [2] ، وعند الإمام مسلم من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنْ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ) [3] ، وقد وقع إشكال في احتمال رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام مرة ثالثة، لثبوت رؤيته له عند نزول سورة العلق ومرة أخرى عند نزول سورة المدثر، لما روي في الحديث عنه صلى الله عليه و سلم ( .. فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ .. [4] ، قال ابن حجر مجيبًا علاذلك:(وإنما لم يضمها إليهما لإحتمال أن لا يكون رآه فيها على تمام صورته) [5] .
ولا تخلو رؤية النبي للأمين جبريل على هذه الصورة في بدء الوحي من فائدة التعرف عليه أول مرة، وكذا في المرة التي كانت في رحلة المعراج، فقد رأى النبي من آيات الله الكبرى ما يتجاوز رؤيته للأمين جبريل في صورته الحقيقة، ولعل العلة من أنه لم يأتيه كل مرة علي هذه الصورة، لأجل التخفيف عليه صلى الله عليه وسلم، ففي المرة الأولى فزع فزعا وارتجف ارتجافا شديدا، وانقلب إلى أهله طالبا أن يدثروه بغطاء مما لقي من الوحي ورهبة الأمين جبريل، فعن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ شَهْرًا فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي نَزَلْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الْوَادِي فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ أَمَامِي وَخَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي فَلَمْ أَرَ أَحَدًا ثُمَّ نُودِيتُ فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا ثُمَّ نُودِيتُ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ فِي الْهَوَاءِ يَعْنِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَام فَأَخَذَتْنِي رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ دَثِّرُونِي فَدَثَّرُونِي فَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [6] .
(1) تفسير العثيمين ج 1 ص 209
(2) رواه البخاري ج 15 ص 98 رقم 4477
(3) رواه مسلم ج 1 ص 413 رقم 259
(4) رواه البخاري ج 11 ص 15 رقم 2999
(5) ابن حجر: فتح الباري في شرح صحيح البخاري ج 1 ص 23
(6) رواه مسلم ج 1 ص 383 رقم 233