الصفحة 28 من 67

وفي قوله تعالى (عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى) تحديد للمحل الذي رأي فيه النبي محمد صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام في المرة الثانية في صورته الحقيقية، وذلك أثناء رحلة المعراج، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم (ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر وإذا ورقها مثل آذان الفيلة قال هذه سدرة المنتهى ... ) [1] ،قال ابن عاشور: إضافة (سدرة) [2] إلى (المنتهى) يجوز كونها تعريف السدرة بمكان ينتهي إليه لا يتجاوزه أحد لأن ما وراءه لا تطيقه المخلوقات [3] ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ إِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنْ الْأَرْضِ فَيُقْبَضُ مِنْهَا وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُهْبَطُ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا فَيُقْبَضُ مِنْهَا" [4] ، وعن هلال بْنُ يَسَار: سأل ابن عباس كعبًا عن سِدرة المنتهى وأنا حاضر فقال كعب: إنها سدرة في أصل العرش على رؤوس حملة العرش، وإليها ينتهي عِلم الخلائق وما خلفها غيب لا يعلمه إلاَّ الله، وقيل: ينتهي إليها ما يهبط من فوقها ويصعد من تحتها. وقال كعب: ينتهي إليها الملائكة والأنبياءُ. وقال الربيع: ينتهي إليها أرواح الشهداء. وقال قتادة: ينتهي إليها أرواح المؤمنين [5] ."

وعندها رأى جنة المأوى يغشاها من الأوراق مثل آذان الفيلة، وفي ذلك دلالة على الخضرة والجمال والبهاء، فلو كان الزرع صورة البهاء والجمال على الأرض فهو كذلك في عالم السماء، وفي ذلك دلالة عظيمة على أهمية الخضرة والزرع، وأن رسالة الإسلام تهدف إلى النماء والنقاء والزرع والخضرة، فالناظر في شأن شجرة السدر، ويطلق عليها كذلك (النبق) يجد أنها تتحمل العيش في ظروف مناخية قاسية وإن كانت تحتاج لشتاء دافئ فإنها تنمو في المناطق الحارة والمعتدلة، أما بالنسبة للتربة فإنها تنمو في جميع أنواع الأراضي بشرط عدم طغيان الماء، وتتحمل الجفاف، وهي ذات أوراق كثيفة يصل ارتفاعها في بعض الأحيان إلى عدة أمتار، أزهارها خضراء اللون صغيرة الحجم، ولها فوائد جمة لا تتمتع شجرة بمثل فوائدها [6] ، وقد عبر القرآن الكريم عما انتهى إليه المعراج بأفضل شجرة في الدنيا وهي السدر، ليؤكد

(1) رواه البخاري ج 3 ص 1410 رقم 3674

(2) قال ابن عاشور: والسدرة: واحدة السدر وهو شجر النبق قالوا: ويختص بثلاث أوصاف: ظل مديد وطعم لذيذ ورائحة ذكية فجعلت السدرة مثلا المكان ما جعلت النخلة مثلا للمؤمن

(3) التحرير والتنوير ج 1 ص 4189

(4) رواه مسلم ج 1 ص 405 رقم 252

(5) اللباب في علوم الكتاب ج 14 ص 450

(6) تؤكل ثمار السدر لأنها حلوة المذاق مرتفعة القيمة الغذائية وتعتبر من أنواع الفاكهة المتميزة. كما أن لها استخدامات في الطب الشعبي. فهي مفيدة في حالات أمراض الصدر والتنفس وهي مسهلة ومنقية للدم. وقد أشار الأطباء إلى فائدة ثمار النبق للمرأة الحامل لما تحتويه من عناصر غذائية ضرورية من سكريات وغيرها. وقد أكد علماء التغذية أن مسحوق ثمار النبق يماثل الحبوب في القيمة الغذائية، أما بالنسبة لأوراق السدر فإنها تستخدم لعلاج الجرب والبثور. ومنقوع الأوراق مفيد في علاج آلام المفاصل والتهاب الفم واللثة. تجفف الأوراق ويصنع منها مسحوق لغسيل شعر الرأس وتقويته وإزالة القشرة منه. كما أن منقوع الأوراق يغسل به الموتى. أما أزهار شجرة «السدر» فإن نحل العسل يرعى عليها ويتغذى على رحيقها وينتج منها عسلًا جيدًا ذا قيمة غذائية عالية يسمى «عسل السدر» وهو من أغلى أنواع العسل البري المطلوبة. كما يستخدم مغلي قلف الأشجار كمسكن لآلام الأسنان وملطف للحرارة ومقوي عام. وتكثر زراعة أشجار السدر للزينة والظل في الحدائق والشوارع. كما تزرع كمصدات للرياح وحماية للتربة من الانجراف. وخشبها جيد قوى متعدد الاستعمالات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت