لكن بالنظر إلى أمنية النبي صلى الله عليه وسلم نجد أنه لم يطمع في دنيا، وقد ضمن له ربه الآخرة، فكان شاغله أن ينجو بأمته يوم القيامة، فعَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كُلُّ نَبِيٍّ سَأَلَ سُؤْلًا أَوْ قَالَ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا فَاسْتُجِيبَ فَجَعَلْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [1] ، وفي ذلك توطئة للتوحيد بعد الشرك، والاتباع بعد الاختلاف."
ففي قوله سبحانه (فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى) إشارة قرآنية إلى التوحيد بعد التفرق، وقصر العبادة بعد التشتت، واقتصار الأمر على من له أمري الدنيا والآخرة، فمهما بلغ الإنسان من الأماني، فإن المؤمن له أمنية واحدة لا يحيد عنها، ألا وهي رضا الله تعالى عنه، قال السعدي:"يعطي منهما من يشاء، ويمنع من يشاء، فليس الأمر تابعا لأمانيهم، ولا موافقا لأهوائهم" [2] ، ذلك أن مصيدة الشيطان أن يوسع أماني الإنسان ويغره ويقصرها على الدنيا، وعندما تزداد مطامعه يوقعه في شراكه، فلو ملك الناس جميعا ملك سليمان لما استقامت الدنيا لأحد، ولفسدت وبإفسادها يُفسد تباعا آخرته، قال ابن عاشور"ما يتمناه أحد يتمناه غيره فتتعارض الأماني فإذا أعطي لأحد ما يتمناه حرم من يتمنى ذلك معه فيفضي ذلك إلى تعطيل الأمنيتين ... والقانون الذي أقام الله عليه نظام هذا الكون أن الحظوظ مقسمة، ولكل أحد نصيب، ومن حق العاقل أن يتخلق على الرضا بذلك وإلا كان الناس في عيشة مريرة" [3] .
ولما كان الجن يملكون من القدرات ما لا يملكه الإنسان، تنافس السحر على تسخير الجن لخدمتهم، ففي الحديث عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: الجن ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وكلاب وصنف يحلون و يظعنون [4] ، أي ينزلون ويقيمون تارة"يظعنون"أي سافرون ويحلون أي مرة أخرى ومنه قوله تعالى (يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ، لما لا وقد قال عفريت من الجن"قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ" {النمل/39} ، يقصد بذلك عرش ملكة سبأ، فكانت حكمة الله تعالى ألا يعطي هذا الملك لأحد بعده، ففي الكتاب العزيز(قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) {ص/35} ، ولذلك كان التوجيه القرآني أن ينضبط ما يتمناه الإنسان بقانون الملك، وأنه كله يؤول إلى الوارث الرشيد.
(1) رواه البخاري ج 19 ص 361 رقم 5830
(2) تفسير السعدي ج 1 ص 819
(3) التحرير والتنوير ج 27 ص 116
(4) الحاكم في المستدرك ج 2 ص 495 رقم 3702 وصححه الألباني: الجامع الصغير وزيادته ج 1 ص 543 رقم 5425