الصفحة 42 من 67

وفي قوله تعالى: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى) (26) يقول ابن كثير: فإذا كان هذا في حق الملائكة المقربين فكيف ترجون أيها الجاهلون شفاعة هذه الأصنام والأنداد عند الله، وهو تعالى لم يشرع عبادتها ولا أذن فيها بل نهى عنها على ألسنة جميع رسله وأنزل بالنهي عن ذلك جميع كتبه؟ قال تعالى، قال في كتابه"قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) {آل عمران/64} ."

وهذا مبني على فكرة الأرباب، بمعنى أن يكون بين العبد وربه تعالى أكثر من رب يعبده من دون الله وصولا إلى الله تعالى، حيث يتخذ عوام الناس من الحبر والراهب"الساحر"إلها يعترفون له بذنوبهم، ويطلبون الغفران ويلتمسون الشفاء منه وقضاء حوائجهم، ويتخذ الحبر الشيطان إلها، وهكذا، قال تعالى (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) {التوبة/31} ، يقول تعالى (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) {آل عمران/79 - 80} ، فالشيطان يصور لهم بعبادتهم له أنهم يعبدون الملائكة أو أنهم يتقربون للملائكة بنية تقربهم إلى الله، وهذا ممتنع في دين الله، قال شيخ الإسلام ابن تيمية"حيث يعتقدون في الملائكة أو الانبياء أو الشيوخ أنهم شفعاء لهم عند الله كما يشفع الشفعاء إلى ملوك الدنيا ويضربون لله مثلا فيقولون من أراد أن يتقرب الى ملك عظيم فلا ينبغى له ان يأتيى اليه اولا بل يتقرب الى خاصته وهم يرفعون حوائجه ويقربونه اليه" [1] .

والحق في مسألة أنها لا تغني إِلَّا بِإِذْن الله، فلابد وأن يأذن الله للشفيع أن يشفع، وهذا من باب التكريم للشفيع لاتباع المشفع فيه له، ولذلك فلا شفاعة لغير الموحدين بالله المتبعين سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، فقد حصر الإسلام الشفاعة في أمور لا تتخذ الشفاعة إلا فيها، وسوف يبين من استعراض أنواعها أن شرطها التوحيد الخالص لله تعالى، فلا تنفع شفاعة الشافعين أحدا من غير الموحدين وشهد بأنه لا إله إلا الله تعالى، وأن محمد عبده ورسوله، واتبع سبيل المؤمنين فصلى معهم وصام معهم وحج معهم لينال شفاعة المؤمنين، ومن صور الشفاعة المأذون بها ما يلي:-

النوع الأول: الشفاعة العظمى، وهي خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم دون سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا كان يوم القيمة ماج الناس بعضهم في بعض فيأتون آدم فيقولون اشفع لنا إلى ربك فيقول لست لها ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن فيأتون إبراهيم فيقول لست لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله فيأتون موسى فيقول لست لها ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته فيأتون عيسى فيقول لست لها ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم فيأتونني فأقول أنا لها فأستأذن على ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن فأحمده بتلك المحامد وأخر له ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع

(1) الرد على المنطقيين ج 1 ص 527

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت