الصفحة 51 من 67

عن مقتضى عبوديته المطلقة، وحاشا لله أن تكون سيادته على خلقه ناقصة، فالخلق خاضع لقضائه وقدره كرهًا أو طوعا، يقول الشيخ (فانتبه ليس معنى قوله تعالى: {ولله ما في السماوات وما في الأَرض} أن يخبرنا أنه مالك فقط، لكن لأجل أن نعتقد مقتضى هذا الملك، وهو الرضا بقضائه، والرضا بشرعه، هذه حقيقة الملك) [1] .

وفي قوله تعالى (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) ترتيب على المقدمتين السابقتين، فإذا عرف الدعاة إلى الله أن أمر الهدى والضلال بيده سبحانه، وأنه المالك لملكه، ويتصرف فيه كيف يشاء، كان لازما أن تقضي مشيئته على الخلق بأن يجزي الذين أساءوا نظير إساءتهم عذابا أليما، ويجزي الذي أحسنوا بالحسنى، فعن ابن جريج في قوله {ليجزي الذين أساءوا بما عملوا} قال: أهل الشرك، وإن كان السياق يشمل غيرهم من المسيئين، وفي قوله {ويجزي الذين أحسنوا} قال: المؤمنين [2] .

وفي قوله تعالى (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ) تفصيل لمعنى الإحسان الذي يقابل الإساءة وحدودها في حق المؤمنين، فليس كل ما كان على التوحيد نجا من العذاب، وإنما لابد من أن يقترن الإسلام بالعمل، وأوله اجتناب كبائر الذنوب، فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْكَبَائِرِ قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ [3] ، قال ابن أبي العز:"سُمِّيَتْ"كَبَائِرَ"بِالنِّسْبَة وَالْإِضَافَة إلى مَا دُونَهَا" [4] ، وعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ قَالَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ [5] ، ومن العلماء مَنْ قَالَ: الصَّغِيرَة مَا لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ في الدُّنْيَا وَلَا وَعِيدٌ في الْآخِرَة [6] ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَأَكْلُ الرِّبَا وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصِنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ [7] ، وَقَالَ اِبْن الصَّلَاح: لَهَا أَمَارَات مِنْهَا إِيجَاب الْحَدّ، وَمِنْهَا الْإِيعَاد عَلَيْهَا بِالْعَذَابِ بِالنَّارِ وَنَحْوهَا فِي الْكِتَاب أَوْ السُّنَّة، وَمِنْهَا وَصْف صَاحِبهَا بِالْفِسْقِ، وَمِنْهَا اللَّعْن [8] ، وَقَدْ أَخْرَجَ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ قَالَ"كُلّ ذَنْب نَسَبَهُ اللَّه تَعَالَى إِلَى النَّار فَهُوَ كَبِيرَة" [9] ، قال الشيخ محمد

(1) تفسير العثيمين ج 11 ص 19

(2) الدر المنثور ج 9 ص 325

(3) رواه البخاري ج 9 ص 135 رقم 2459

(4) شرح الطحاوية في العقيدة السلفية ج 2 ص 391

(5) رواه البخاري ج 9 ص 136 رقم 2460

(6) شرح الطحاوية في العقيدة السلفية ج 2 ص 392

(7) رواه مسلم ج 1 ص 244 رقم 129

(8) شرح النووي على مسلم ج 2 ص 85

(9) فتح الباري ج 12 ص 184

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت