أمانيه المادية، ولا حاجة لأن يستقصي أمور الآخرة وأصول العقيدة والغيبيات التي أنبأ عنها الإسلام، ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم (اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا) [1] .
وفي قوله تعالى (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى) إيكال للنتيجة الدعوية إلى الله، حتى يركز الدعاة إلى الله جهدهم على البلاغ دون الانشغال بنتيجة هذا الجهد، قال ابن عجيب (إنما عليك البلاغ والدعوة، وأما حصول الهداية والضلال والمجازاة عليهما فليس من شأنك، بل الله أعلم بالضالين والمهتدين) [2] ، وقال ابن عاشور (هذه الجملة تعليل للأمر بالاستمرار على الدعوة بعد الإعلام بأن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله، وبعد وصف أحوال تكذيبهم وعنادهم، فلما كان التحريض بعد ذلك على استدامة الدعوة إلى الدين محتاجا لبيان الحكمة في ذلك بينت الحكمة بأن الله هو أعلم بمصير الناس وليس ذلك لغير الله من الناس فما عليك إلا البلاغ، أي فلا تيأس من هدايتهم ولا تتجاوز إلى حد الحزن على عدم اهتدائهم لأن العلم بمن يهتدي ومن يضل موكول إلى الله وإنما عليك التبليغ في كل حال. وهذا قول فصل بين فريق الحق وفريق الباطل) [3] .
قال تعالى: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى(31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (32)
فبعد أن بينت الآيات طريق الحق والباطل، مفرقة بين الموحدين المؤمنين بمعجزة المعراج، والكافرين المؤمنين باللات والعزى، كان لابد وأن تبين جزاء الموحدين الذين اتبعوا الحق وكفروا بالباطل، ولما كانوا بين الإحسان والإساءة [4] ، {فمنكم كافر ومنكم مؤمن} ، كان لابد من بيان أحكامهم في الشرع باعتبار أن الموحدين هم الطائفة الناجية، قال الرازي (من لا يجتنب كبائر الإثم يكون مسيئًا والذي يجتنبها يكون محسنًا) [5] ، وعلى ذلك نكون أمام موحد بالله محسن في العمل، وموحد بالله أصاب شيئا من اللمم، وموحد بالله مرتكب لكبائر الذنوب، فتبين الآيات مفهوم الإساءة وحدودها مفرقة بين اللمم وكبائر الذنوب من جهة، ومحذرة من أن يرتكب الإنسان أعظم الكبائر بتزكية نفسه كما زكى أبليس نفسه.
ففي قوله تعالى (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) فائدتان -على قول العثيمين - الأولى: الرضى بقضاء الله بلا اعتراض، لأنه المالك المتصرف في ملكه كما يشاء، والثانية: الرضا بشرعه والقيام بأمره ونهيه، فإن معصيته خروج
(1) رواه الترمذي ج 5 ص 528 رقم 3502 وحسنه الألباني
(2) البحر المديد ج 3 ص 309
(3) التحرير والتنوير ج 13 ص 267
(4) تفسير العثيمين ج 11 ص 19
(5) تفسير الفخر الرازي ج 1 ص 4248