السدنة وهم حجبتها أمعنوا في الجبل وهم يقولون يا عزى فأتاها خالد فإذا هي امرأة عريانة ناشرة شعرها تحتفن التراب على رأسها فعممها بالسيف حتى قتلها ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه و سلم فأخبره فقال تلك العزى [1] ، لما لا وأتباع محمد صلى الله عليه وسلم سوف يحاربون أكبر الدجالين والمشعوذين، قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ حَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُهُمْ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ" [2] .
وعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ سَمِعَ بَجَالَةَ يُحَدِّثُ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ وَأَبَا الشَّعْثَاءِ قَالَ كُنْتُ كَاتِبًا لِجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَمِّ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ إِذْ جَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ (اقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي مَحْرَمٍ مِنْ الْمَجُوسِ وَانْهَوْهُمْ عَنْ الزَّمْزَمَةِ) ، فَقَتَلْنَا فِي يَوْمٍ ثَلَاثَةَ سَوَاحِرَ وَفَرَّقْنَا بَيْنَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْ الْمَجُوسِ وَحَرِيمِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَصَنَعَ طَعَامًا كَثِيرًا فَدَعَاهُمْ فَعَرَضَ السَّيْفَ عَلَى فَخْذِهِ فَأَكَلُوا وَلَمْ يُزَمْزِمُوا، وَأَلْقَوْا وِقْرَ بَغْلٍ أَوْ بَغْلَيْنِ مِنْ الْوَرِقِ، وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ الْمَجُوسِ حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ) [3] ، جاء في الشرح في قوله: (وفرقوا بين كل ذي محرم من المجوس) يعني: إذا كان المجوسي متزوجًا بقريبته كبنته أو أخته أو عمته أو خالته أو ما إلى ذلك مما هو موجود عند المجوس؛ فإنه يفرق بينهم، ولا يقر هذا الزواج [4] ، و"الزمزمة": من شعَار المَجُوس [5] ، وهي كلام يقولونه عند أكْلهم بصَوت خَفىٍّ [6] ، وقوله (وَأَلْقَوْا وِقْرَ بَغْلٍ أَوْ بَغْلَيْنِ مِنْ الْوَرِقِ) يريد أنهم ألقوا حمولة من ملاعق الفضة كانوا يستعملونها في الأكل بقدر حمل بغل أو بغلين [7] ، وذلك للنهي في الأكل في أواني أو ملاعق الفضة والذهب.
وفي قوله تعالى (ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ... ) (30) يقول الشوكاني: (في ذلك إرشاد للنبي صلى الله عليه وسلم بأن لا يتعب نفسه في دعوة من أصر على الضلالة وسبقت له الشقاوة فإن الله قد علم حال هذا الفريق الضال كما علم حال الفريق الراشد) [8] ، ذلك أن الكافر مغلق الفكر ضيق الصدر، قال الفراء (صغَّرَ بهم ذلِكَ قدْر عُقُولهم، ومَبْلَغُ عِلْمِهم) [9] وهاتان الصفتان جعلتاه يتولى عن ذكر الله تعالى وجعلت همته تقتصر على طلب الدنيا فحسب، ولا هم له في الآخرة، فأضحى خاوي الفؤاد عن الصلة بالله، فلا يتسع صدره لأن يتحمل الخطاب الدعوى، وأضحى منتهى علمه ما يحقق له
(1) رواه النسائي في سننه الكبرى ج 6 ص 474 رقم 11547
(2) رواه أبو داود ج 6 ص 487 رقم 2125 وصححه الألباني: صحيح سنن أبي داود ج 7 ص 247 رقم 2245
(3) رواه أبو داود ج 8 ص 282 رقم 2646 وصححه الألباني: صحيح وضعيف سنن أبي داود ج 7 ص 43 رقم 3043
(4) عبد المحسن العباد: شرح سنن أبي داود ج 16 ص 263
(5) أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري- النهاية في غريب الحديث والأثر ج 1 ص 902
(6) المرجع السابق ج 2 ص 779 - والأزدي: تفسير غريب ما في الصحيحين ج 1 ص 13
(7) عبد المحسن العباد: شرح سنن أبي داود ج 16 ص 264
(8) الفتح القدير الآية 30 سورة النجم
(9) معاني القرآن للفراء ج 5 ص 52