الصفحة 48 من 67

أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) {الأنعام/108} ، فليست المسألة مسألة سب وتباري بين المسلمين وعبدة الأوثان، وهو ما فعله النبي صلي الله عليه وسلم في غزوة أحد حينما أخذ أبو سفيان يرتجز (اعل هبل اعل هبل) ، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم وقال لأصحابه (ألا تجيبونه) قالوا يا رسول الله ما نقول؟ قال (قولوا الله أعلى وأجل) ، فقال أبو سفيان - وكان يومئذ على الشرك - (إن لنا العزى ولا عزى لكم) فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - (ألا تجيبونه) - وهذا يدل على إعراضه عنه مرة أخرى، فقال الصحابة يا رسول الله ما نقول؟ قال (قولوا الله مولانا ولا مولى لكم) [1] .

(قال الشوكاني: وهذا منسوخ بآية السيف) [2] ويجاب علي ذلك بأنه ليس بنسخ حقيقي، فلكل منهما نطاق يجري حكمهما فيه ولا تعارض، فأية السيف تتحدث عن مجادلة المحاربين منهم لقوله سبحانه (الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ، فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) {الأنفال/56 - 57} ، أما أية الإعراض عنهم فتتحدث عن مقام الدعوة لهم، فطالما حدث البلاغ فقد كفاه ما بلغه من الحق وجاءهم من الهدى دون حاجة للخوض في تفاصيل عقيدتهم الباطلة والخزعبلات التي تسيطر على خيالاتهم.

والأمر بالإعراض جاء ليخاطب النبي صلى الله عليه وسلم والدعاة المسلمون في شأن الكفار بوجه عام، وفي شأن عبدة الأوثان بوجه خاص، وليس معنى ذلك أن يضن الدعاة إلى الله تعالى بالجهد في دعوة هؤلاء الوثنيين، ولكن كما ذكرنا لابد وأن ينصب الجهد على توضيح عقيدة الإسلام لهم وتبليغهم بها دون خوض في معتركات فكرية معهم ومناقشات جدلية تستقصي تفاصيل عقيدتهم، وإنما يقف الأمر عند حد البلاغ فحسب، وإيكال أمر الهدى أو الضلال لله تعالى.

أما عندما يكون للمسلمين سيف ودولة، فالأمر بخلاف ذلك، ومن هنا نفهم ما يقصده الشوكاني - وهو يتحدث عن زمنه - حيث يتعين على الإمام محاربة الأصنام والدجالين، لما ورد في الحديث عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ قَالَ قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ [3] ، ومن هنا نفهم لماذا بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالدا ليقطع رأس العزى، وأنه في هذا المقام لا يهاجمهم وأوثانهم وإنما يهاجم شياطينهم، ففي الحديث عن أبي الطفيل قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه و سلم مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة وكانت بها العزى فأتاها خالد وكانت على ثلاث سمرات فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليها ثم أتى النبي صلى الله عليه و سلم فأخبره فقال ارجع فإنك لم تصنع شيئا فرجع خالد فلما أبصرت به

(1) والحديث رواه البخاري في صحيحه ج 3 ص 1105 رقم 2874

(2) فتح القدير الآية 29 سورة النجم

(3) رواه مسلم ج 5 ص 88 رقم 1609

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت