الصفحة 47 من 67

من الوضوح بمكان لأن يصل إليها كل عاقل، أما ما يحتمل الشك فلابد وأن يناله الباطل بشيء، ولذلك فإن الظن لا يقف أمام الحق شيئا، فليس له وزن أمام الأدلة الواضحة الساطعة البيان.

والظنون تأتيهم لا من طريق الوسوسة فحسب، بل قد يتراءى الشيطان لابن آدم في صورة إنسان، وقد يسمع الصوت ولا يرى الجسم، وقد تتشكل بصور غريبة، وهي أحيانًا تأتي الناس وتعرفهم بأنها من الجن، وفي بعض الأحيان تكذب في قولها فتزعم أنها من الملائكة، وأحيانًا تسمِّي نفسها بـ"رجال الغيب"، أو تدَّعي أنها من عالم الأرواح، وهي في كل ذلك تحدث بعض الناس وتخبرهم بالكلام المباشر، أو بواسطة شخص منهم يسمَّى"الوسيط"، تتلبس وتتحدث على لسانه، وقد تكون الإجابة بواسطة الكتابة، وقد تقوم بأكثر من ذلك فتحمل الإنسان وتطير به في الهواء وتنقله من مكان إلى مكان، وقد تأتي بأشياء يطلبها، ولكنها لا تفعل هذا إلا بالضالين الذين يكفرون بالله رب الأرض والسماوات، أو يفعلون المنكرات والموبقات، وقد يتظاهر هؤلاء بالصلاح والتقوى، ولكنهم في حقيقة أمرهم من أضل الناس وأفسقهم، وقد ذكر القدامى والمحدثون من هذا شيئا كثيرًا لا مجال لتكذيبه والطعن فيه لبلوغه مبلغ التواتر [1] .

قال تعالى: (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) (29)

انتقال الخطاب بتحويله من الغائب إلى المخاطب بصيغة الأمر (فَأَعْرِضْ) ، وهو النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعه من المؤمنين، فإزاء هذا التخبط في العقيدة والضلال المبين في التصور عن الله والتلبس بالباطل، يثور التساؤل ما هو واجب الدعاة إلى الله تعالى؟ فيجيب القرآن إجابة ذات مدلول عميق (فَأَعْرِضْ) إنه الإعراض الذي يحمل معنى الافتراق في الطريق بما لا يمكن معه تلاق أبدا، قال الشوكاني: (والمعنى اترك مجادلتهم فقد بلغت إليهم ما أمرت به، وليس عليك إلا البلاغ) [2] ، وعمق دلالة الإعراض المأمور به في هذه الآية هو أنه طالما كانت حججهم وعقيدتهم من السذاجة بما لا يقتنع بها أحد ولا يتبعهم فيها إلا سفيه، فكان الإعراض عن الخوض في المجادلة معهم والرد عليهم في كل شيء مما يؤمنون به توفير لوقت الدعاة إلى الله تعالى ليتفرغوا لمسألة تأصيل المقامات وترسيخ الثوابت، فلا حاجة لأن يتضمن الخطاب الدعوى الرد التفصيلي على تلك الخزعبلات والخرافات التي لا تتناهى ما ظلت خيالاتهم تسرح في أساطير ملفقة وأكاذيب منمقة.

فحين يتوجه الدعاة لهم بالإسلام عليهم أن يصبوا دعوتهم على المنهج الذي جاء به الرسول ليؤصلوا عقيدة الإسلام صافية من كل شائبة، وهو ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قريش إذ لم يرد على ما ذكروه بشأن اللات والعزى ومناة ولم يرع اهتماما لعبادتهم لهبل وإنما ركز جهده لدعوتهم إلى الإيمان بالله تعالى، فالإسلام لم يجيء ليسب آلهتهم وإنما ليعبدوا الله يقول سبحانه (وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّوا اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ

(1) وقال الدكتور عمر الأشقر - حفظه الله:"عالم الجن والشياطين" (ص 93) .

(2) فتح القدير الآية 29 سورة النجم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت