الصفحة 46 من 67

وهنا يكون الخطاب للمتبعين لهؤلاء السدنة والرهبان، لأن الشيطان لا يتراءى لهم في صورة معينة كما يتراءى للسدنة، وإنما هم يتبعون أحبارهم ورهبانهم في عبادتها كذلك، فيستنكر المولى عليهم ذلك أي"كيف تعظمونهم وأنتم تسمونهم تسمية الأنثى" [1] ، ففي ذلك تلقين من المولى سبحانه وتعالى يدحض حجة عبادتها، إذ لو كانوا آلهة كما تزعمون لما ظهر النقص في تسميتها،"وليس الذكر كالأنثى"، والعقل ينطق بأن الله تعالى يتصف بصفات الكمال والجلال وله أسماء حسنى، في حين أن الأنثى تُشتهى حتى من اسمها، بل كيف يعبدون إلهة لها بنات، ومن ثم تكون له زوجة، بالضرورة يحتاج أن يتصرف مع زوجته كعاشق لها، انظر كيف يسوون بين أنفسهم بآلهتهم، استكبار أن يدينون للإله بالعبادة، وتصغيرا منهم لشأنها، والله الحق لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، في حين أن إله هؤلاء مشغول ببناته وزوجاته وعشيرته، وهذا من التهكم القرآني الداحض لشبهتهم التي قصدوا بها إشغال الناس عن عبادة ربهم الحق.

ولا تزال جهودهم مستمرة في تشويه عقيدة التوحيد، فيسعون لأن يعددوا الأماني في الدنيا فلا يكاد تبقى للمرء أمنية في الآخرة، وينقطع أمله في الآخرة، فيكون مشتتا بين أمانيه ورغباته في الدنيا وحسب، فإذا حصل ذلك نسي بعد الموت والبعث والحساب ثم الجزاء، وأضحت سعيه لأجل ما يحققه من الدنيا من أطماع وطموح، في فكرة المصلحة المادية والمنفعة الشخصية المحضة دونما نظر لمصلحة الأمة ولا اعتبار للمنافع العامة ولا طمع فيما هو مدخر عند الله تعالى من جزاء للمحسنين.

وفي قوله تعالى (وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) (28) الرد القرآني على شبهة عبادة الملائكة، فمن أين جاء استدلالهم؟ فالعلم ليس كالمعرفة، وإنما العلم لابد وأن يكون عن أهله، فليس كل من عرف شيئا بالطب عالما به، وإنما لابد وأن يدرس على يد من سبقوه من العلماء بالطب، وهكذا فإن علم العقيدة لابد وأن يؤخذ من أهل الاعتقاد، قال تعالى (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) {محمد/19} ، فالعلم ينبني على الأدلة بينما يكتفى في المعرفة بالقرائن، ومن ثم انطلت عليهم حيل الشيطان لما خدع أبصارهم وألقى عليهم الظنون بعدما وسع عليهم الأماني، فهذه الشبهة ليس لها مصدر من العلم عن الله تعالى بطريق الوحي المبلغ لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، كما أنهم لا يملكون من قواعد الاستدلال غير الظن، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ) [2] ، قال العلماء (أي حديث النفس لأنه بإلقاء الشيطان في نفس الانسان) [3] ، وقال الصنعاني: (وإنما كان الظن أكذب الحديث لأن الكذب مخالفة الواقع من غير استناد إلى أمارة وقبحه ظاهر لا يحتاج إلى إظهاره وأما الظن فيزعم صاحبه أنه استند إلى شيء فيخفى على السامع كونه كاذبا بحسن الغالب فكان أكذب الحديث) [4] ، فمن اتبع الظن حاد عن الحق ولابد، لأن أمور الاعتقاد لابد وأن تكون

(1) مفاتيح الغيب ج 28 ص 266

(2) رواه البخاري ج 16 ص 110 رقم 4747

(3) المباركفوري: تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي ج 6 ص 106

(4) سبل السلام ج 4 ص 190

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت