الصفحة 45 من 67

وسلم شهيدا على أناس بأوصافهم دون أن يعرفهم بذواتهم، كما أنه شفيع لأناس بأوصافهم لا بذواتهم، ومن هنا تُحمل الآيات النافية للشفاعة على ذلك كما في قوله تعالى (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) (المدثر/48) .

وبهذا المفهوم نستظهر معنى الشفاعة، ذلك أن شفاعة الملائكة لا ترتجى دون إذن من الله، فالآية لم تنف شفاعة الملائكة بإطلاق وإنما قيدتها بأن يأذن الله لمن يشاء ويرضى، فلا إشكال في الشفيع ولا في المشفع فيه طالما كان الشفيع مأذونا له والمشفع فيه موحدا بالله تعالى، وإنما تكمن الإشكالية في فهم معنى الشفاعة بما لا يناقض التوحيد ويتضاد معه، ذلك أن التقرب للشفيع والتزلف له حتى يشفع لك عند الله تعالى ينقلب إلى عبادة للشفيع دون المشفوع عنده وهو الله تعالى، وبذلك تضحى الوسيلة التي هي"الشفاعة"غاية، فيكون الاستشفاع عبادة لغير الله تعالى، لذا كان لابد من الأدب في طلب الشفاعة بما لا يحمل معنى التعظيم والتقديس للشفيع بما يضاهي عبادة الله تعالى، وإنما هو محض إتباع لسنته وسبيله بما يوصل العبد لرضى الشفيع والمشفوع عنده، ذلك أن هذا الدين قائم على التلازم بين المنهج والتطبيق، فلا ينفصل الإيمان بالمنهج عن تطبيقه، ولذلك كانت الشفاعة علامة تطبيق المنهج على النحو الصحيح المطابق للسنة النبوية الشريفة وآثار الصالحين والتابعين لهم.

وفي قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى) (27) إثبات أن ثمة علاقة وثيقة بين الكفر بالآخرة وتشويه عقيدة المسلمين، فالأمر ليس قاصرا على مجرد أناس ضلوا العبادة فعبدوا الملائكة والأوثان وإن كانوا في حقيقتهم يعبدون الشيطان، وإنما هي حرب أصحاب الأهواء الباطلة، وأصحاب الأماني غير المنتاهية لاكتساب كل رغبة جامحة في الدنيا وإزالة الإسلام كعائق يحول دون تحقيقهم ذلك بأسلوب والتشويه العقيدة الصحيحة والتدليس على الناس، قال المفسرون كان في كل واحد من تلك الأوثان شيطان يتراءى للسدنة يكلمهم [1] (النساء/117) ، وقد ذكرنا أن الشيطان يظهر للسدنة - الراهب من عبدة الأوثان - في صورة أنثى مدعيا أنه ملك من الملائكة حتى يتقرب إليه، وذلك لأن الأنثى مقربة لقلب الرجال والنساء على السواء، فيسهل عليه الإيقاع بهم جميعا، فلا النساء ينفرن لو ظهر الشيطان في صورة رجل، ولا الرجال من الكهان يزأرون تحديا للشيطان إذا رأوه في صورة رجل، قال تعالى (إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا) ، فإذا خدع الشيطان الكاهن اتخذه رسولا لعوام الناس، يقول ابن لقيم (الكهنة رسل الشيطان، لأن المشركين يهرعون إليهم ويفزعون إليهم في أمورهم العظام ويصدقوهم، ويحاكمون إليهم، ويرضون بحكمهم، كما يفعل أتباع الرسل بالرسل، فإنهم يعتقدون أنهم يعلمون الغيب ويخبرون عن المعيبات التي لا يعرفها غيرهم، فهم عند المشركين بهم بمزلة الرسل، فالكهنة رسل الشيطان حقيقة، أرسلهم إلى حزبه من المشركين وشببهم بالرسل الصادقين، حتى استجاب لهم حزبه) [2] .

(1) مفاتيح الغيب ج 11 ص 37

(2) إغاثة اللهفان ج 1 ص 271

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت