الصفحة 53 من 67

وَضَعْفِ الْإِيمَانِ وَاَللَّهُ تَعَالَى إنَّمَا ذَكَرَهُ فِي الْقُرْآنِ عَنْ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ الْمُشْرِكَةِ وَعَنْ قَوْمِ لُوطٍ الْمُشْرِكِينَ وَالْعَاشِقُ الْمُتَيَّمُ يَصِيرُ عَبْدًا لِمَعْشُوقِهِ مُنْقَادًا لَهُ أَسِيرَ الْقَلْبِ لَهُ" [1] ."

وفي قوله تعالى (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) ، فتح لباب التوبة لمرتكبي الكبائر والصغائر معا، فليس الأمر بعسير على الله تعالى أن يغفر لعتاة المجرمين وأفجر الفساق طالما طرقوا باب المغفرة، فها هو نبي الله صلى الله عليه وسلم يلقن الصحابة رضوان الله عليهم التوبة ولو وقعوا في الشرك بالله فقال: (من حلف فقال في حلفه واللات والعزى فليقل لا إله إلا الله) [2] .

قال تعالى {إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} ، والمعنى المستفاد من هذه الآية أن الْحَسَنَاتُ إنَّمَا تُكَفِّرُ الصَّغَائِرَ فَقَطْ فَأَمَّا الْكَبَائِرُ فَلَا تُغْفَرُ إلَّا بِالتَّوْبَةِ [3] ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الصَّلَاةُ الْخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ [4] ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ [5] .

وفي قوله تعالى (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) ، إيكال لأمر تزكية النفس إلى الله تعالى، وكذلك ترك الحكم على الآخرين سواء ذما أو مدحا، وتفويض الأمر لله، ففي الحديث مرفوعا (بينما كلب يطيف بركية كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل [6] فنزعت موقها فسقته فغفر لها به) [7] ، وليست المسألة محض صدفة تحققت في شأن هذه المرأة، فحالها معلوم عند الله تعالى في كتاب، وعكس ذلك كذلك صحيح، فليس معنى أن المسلم قد عافاه الله تعالى من اجتناب الكبائر وأنه يحافظ على الصلوات الخمس أنه في مأمن، فلا يجوز أن يغتر المسلم بعبادته وبإحسانه، فتزكية النفس هي أول باب للمهلكة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع كلمات ويقال له اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أم سعيد ثم ينفخ فيه الروح فإن الرجل

(1) مجموع الفتاوى ج 15 ص 293

(2) رواه البخاري ج 4 ص 1841 رقم 4579

(3) ابن تيمية - مجموع الفتاوي ج 7 ص 489

(4) رواه مسلم ج 2 ص 21 رقم 342

(5) رواه مسلم ج 2 ص 23 رقم 344

(6) أي تزني بالأجر ممتهنة مهنة البغاء وارتكاب الفواحش.

(7) رواه البخاري ج 3 ص 1279 رقم 3280

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت