منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة) [1] .
إذن مسألة التقوى ليست موقوفة على العمل المحض الذي هو من كسب الإنسان، وإنما لابد وأن يصاحبها التوفيق من الله تعالى بما هو مسطر في كتابه وعلمه في الأزل، فالآيات والأحاديث تقطع أي اتكال للإنسان على عمله، وإنما الواجب أن يلتزم محض العمل مع إيكال النتائج لله يصرفها كيف يشاء، فقد أخبر بأن له ما في السماوات وما في الأرض، ولأنك من ضمن ملكه فلا اعتراض، وإنما نسأل الله تعالى السلامة والعافية والتوفيق والسداد، فعن خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ أُمَّ الْعَلَاءِ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ بَايَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُمْ اقْتَسَمُوا الْمُهَاجِرِينَ قُرْعَةً قَالَتْ فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ وَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَلَمَّا تُوُفِّيَ غُسِّلَ وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ أَكْرَمَهُ فَقُلْتُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا هُوَ فَوَاللَّهِ لَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ وَ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَاذَا يُفْعَلُ بِي فَقَالَتْ وَاللَّهِ لَا أُزَكِّي بَعْدَهُ أَحَدًا أَبَدًا [2] .
ذلك أن تزكية النفس تحمل المرء على الإقلال من الطاعة والاستهانة بالمعصية، قال ابن القيم رحمه الله: وها هنا أمرٌ ينبغي التفطّن له، وهو أن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف، والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر، وقد يقترن بالصغيرة من قلّة الحياء، وعدم المبالاة، وترك الخوف، والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر، بل يجعلها في أعلى المراتب. وهذا أمرٌ مرجعه إلى ما يقوم بالقلب، وهو قدر زائد على مجرّد الفعل. والإنسان يعرف ذلك من نفسه ومن غيره" [3] ، ولذلك قالوا إن (الكبائر في نظر السفهاء صغائر والصغائر في نظر المتقين كبائر) ، مصداق ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم (إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا) [4] ، وعن أنس رضي الله عنه قال إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر إن كنا لنعدها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من الموبقات، قال أبو عبد الله يعني بذلك المهلكات [5] ـ وعنه صلى الله عليه وسلم قال: ("
(1) رواه البخاري ج 3 ص 1174 رقم 3036
(2) رواه البخاري ج 21 ص 361 رقم 6487
(3) مدارج السالكين ج 1 ص 328
(4) رواه البخاري ج 5 ص 2324 رقم 5949
(5) رواه البخاري ج 5 ص 2381 رقم 6127