إياكم ومحقرات الذنوب كقوم نزلوا في بطن واد فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى انضجوا خبزتهم وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه) [1] .
قال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى(33) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (34) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (35) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37)
خلت كتب المفسرين من دليل على تعيين هذه الآيات بشخص معين، وإنما تعددت أقوالهم دون سند ثابت، وقالوا"أي عن الإسلام بعد ما قارب أن يدخل فيه" [2] ، وهذا أيضا ليس عليه دليل ثابت، ولما كان العموم أولى من التخصيص، فإن التولي له عدة معان، منها ما يتضح من السياق من يزكي نفسه فيتولى عن الحق إما إعراضا أو تكاسلا، فيقطع العطاء بعدما كدَّ وتعب من ذلك، فإذا أخذنا العطاء على عمومه، فإنه يشمل الصدقات، كما يشمل الجهد الدعوى، ويشمل كذلك نصرة الإسلام، والمؤمن الحق لا يبخل على دينه بشيء من ذلك ولا يكد ولا يتعب لأجل نصرته، ولنضرب لذلك مثلا بصدقات الصحابة فلم تكن أبدا عن ظهر غنى وإنما كانوا يبذلونها بالرغم من الكد والتعب والحاجة التي عاشوا فيها، فعن عائشة قالت جاءتني امرأة معها ابنتان تسألني فلم تجد عندي غير تمرة واحدة فأعطيتها فقسمتها بين ابنتيها - ولم تأكل منها شيئا [3] - ثم قامت فخرجت فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته فقال (من يلي من هذه البنات شيئا فأحسن إليهن كن له سترا من النار) [4] ، إذ لم يمنعهم الفقر من أن يتصدقوا ولو بتمرة، ولم تمنع الحاجة المرأة أن تشبع ابنتيها بشقي تمرة دون أن تطعم نفسها منها، فكانوا يعطون كثيرا ولو كان قليلا بالنسبة لغيرهم، فالعبرة ليست بكثرة العطاء طالما كان منه مدخر، والعبرة بما بقي بعد العطاء فلو بقي شيئا لكان العطاء قليلا ولو كان كثيرا عند الناس، فعن أبي هريرة قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على بلال فوجد عنده صبرا من تمر فقال: (ما هذا يا بلال؟) فقال: تمر أدخره قال: (ويحك يا بلال أو ما تخاف أن يكون له بخار في النار؟ أنفق يا بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا) [5] .
(1) رواه أحمد في مسنده ج 5 ص 331 رقم 22860 وصححه الألباني انظر: السلسلة الصحيحة ج 1 ص 744 رقم 389
(2) أبو بكر الجزائري: أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير ج 5 ص 198
(3) زيادة عن مسلم في صحيحه ج 4 ص 2027 رقم 2629
(4) رواه البخاري ج 5 ص 2234 رقم 5649
(5) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج 1 ص 340 رقم 1020، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ج 6 ص 163 رقم 2661